المنشورات


رسالة إلى الأبرشية

نَحمِلُ هَذَا الكَنزَ فِي آنِيَةٍ مِن خَزَفٍ“

(٢ قورنتس ٤: ٧)

الإخوة الأساقفة والكهنة الأعزاء،

الإخوة والأخوات والرهبان والراهبات الأعزاء في جميع رعايا الأبرشية،

الصوم هو بداية جديدة، هو طريق يقودنا إلى الهدف الأكيد الذي هو القيامة، أي انتصار يسوع المسيح على الموت. يدعوني هذا الزمن دعوة ملحَّة إلى التوبة. المسيحيون مدعوُّون إلى العودة إلى الله “بكل قلوبهم” (يوئيل ٢: ١٢)، فينفضوا عنهم كل فتور، وتتقوّى صداقتهم مع الرب يسوع. يسوع هو الصديق الأمين الذي لا يتركنا أبدا“. بهذه الكلمات البليغة بدأ البابا فرنسيس رسالته إلى المؤمنين في زمن الصوم.

منذ ١٥ تموز تسلمت إدارة الأبرشية بصفة مدبّر رسوليّ. قضيت هذه الأشهر الماضية أتعلَّم، وأتجذَّر في ما هو واقعنا اليوم، أي في حياة البطريركية اللاتينية. مدة ١٧٠ سنة الماضية قامت البطريركية وما زالت تقوم بدور هامّ في حياة المسيحيين في الأرض المقدسة. رعايانا ومدارسنا ومؤسسات كثيرة غيرها قدمت الشيء الكثير لحياة المسيحيين في هذه البلاد، وقوَّت الشهادة للمسيح ولقيامته من بين الأموات. ومع ذلك، الكل يعلم أن تعيين مدبّر رسوليّ من خارج الإكليروس البطريركي كان قرارًا غير متوقَّع، وكان مفاجأة للكثيرين. وأدى إلى الاستنتاج أن هناك أمورًا ليست كلها على ما يرام. في الواقع كانت أخطاء أثَّرت في حياة البطريركية من الناحية المالية والإدارية، ولا سيما في ما يختص بالجامعة الأمريكيّة في مادبا. وأخفقنا في بعض المجالات المهمة، وقد لا نكون أكّدنا بما فيه الكفاية على تحديد الأولويات في رسالتنا، أي التبشير بالإنجيل وتكريس أنفسنا للنشاطات الرعوية.

منذ شهر تموز التقيت الأساقفة والكهنة والرهبان والمؤمنين العلمانيين، وزرت أقسامًا عديدة من الأبرشية. ووجدت الشيء الإيجابي الكثير، والمشجِّع والباعث على الأمل. ولكن لاحظت أيضًا أن أمامنا مشاكل، هي كانت السبب في تعييني مدبّرًا إلى أن يُعَيَّن بطريرك جديد. هذه أوضاع يجب أن نواجهها بشجاعة وصراحة وحزم، بحب أخوي، وبالطبع بإيمان قوي في الرب يسوع المسيح الذي يهدينا. الأزمة أو المشاكل يمكن أن تكون سبب موت، ويمكن أن تكون بقوة الروح القدس، سبب حياة جديدة ، وولادة جديدة في الروح، وسبب قيامة. هذا هو التزامنا وأملنا وصلاتنا.

أود أن أشارككم فرحي في زمن الصوم هذا الذي بدأناه هنا في البطريركية اللاتينية بطريقة معبِّرة جدًّا. في عشية أربعاء الرماد،  قررت عقد اجتماع لكل الكهنة الأبرشيين في البطريركية اللاتينية. شعرت أني مستعد أن أشارك الكهنة بعض أفكاري من هذه الأشهر الماضية وأن أصغي بعناية إلى اقتراحاتهم وآرائهم. اجتمع الكهنة مساء الاثنين ٢٧ شباط ويوم الثلاثاء ٢٨ شباط في بيت الزيارة لراهبات الوردية، في الفحيص، في الأردن. وركَّزنا بصورة خاصة على المواضيع التالية في حياة البطريركية: الكهنة وحياتهم ونشاطهم الرعوي، والمشاكل المالية والحلول الممكنة، وإعداد نظام داخلي لعملنا الإداري.

ويمكن أن أؤكد لكم، أيها الإخوة والأخوات الأعزاء والمؤمنون في كل الرعايا، كنتم جميعاً حاضرين  بطريقة أو بأخرى، في كل نقاشاتنا وتبادل الآراء في ما بيننا، بصعابكم وآلامكم وآمالكم.

أوّل فرح في هذا الزمن المقدس هو أن الأساقفة والكهنة الذين استطاعوا أن يأتوا أتوا، الشباب منهم والكبار، من الأردن، وفلسطين، وإسرائيل وحتى من الخليج. جاؤوا مشتاقين لأن يعرفوا، ليصغوا، وليتكلموا.  قضينا يومين معا في مناقشات معمَّقة وإيجابية حول بطريركيتنا الحبيبة، حول دعوتنا ورسالتنا، وأيضّا حول الأخطاء لتي أدت إلى الوضع المتأزّم الذي نحن فيه، ولا سيما الجانب المالي.

الفرح الثاني هو رؤية جميع الذين أتوا ملتزمين للعمل والنظر في هذه المشاكل، وراغبين أن يتخذوا الخطوات الضرورية التي تعيدنا إلى الطريق الصحيح. كان مؤثرا سماع كاهن تكلم عاليا وواضحاً يقول: “جاء الزمن لنعترف بمسؤوليتنا ،كل واحد منا، ولنلزم أنفسنا ببداية جديدة“. قال آخر: “علينا أن نكتشف كيف نحوّل زمن الشدة إلى زمن نعمة“. أظن أنه كان يعني نعمة “البدايات الجديدة“، الوعد بالقيامة بعد الآلام والموت الذي يعيشه العديدون منا الآن. أمامنا عمل كثير. والآن هو زمن البداية، زمن الإصلاح، وإعادة البناء والتجديد في بعض مجالات الإدارة، وفي مجالات غيرها أيضاً. من بين الاستنتاجات الأخرى  في الواقع قررنا أن نركز نظرنا في النشاطات الرعوية، وأن نفتح، مثلا، مكاتب أبرشية جديدة للعمل الرعوي، التي تنسق وتوحد خدمتنا الرعوية لمختلف الرعايا.

كمدبّر رسوليّ، أعطيت الصلاحيات لأغير بعض الوقائع في مجالي المال والإدارة. ولكني عالم أيضاً أننا إن لم نعمل معاً لن نعيد إلى البطريركية كمال عافيتها. ليست هذه المرة الأولى التي علينا فيها أن نواجه مشاكل جدية في تاريخنا. بعون الله، استطعنا في الماضي أن نتغلب على الصعاب. اليوم، بعد يومين مع الأساقفة والكهنة، أنا أعود مليئاً بالأمل. الطريق أمامنا بلا شك صعبة، والتحديات كبيرة، والعقبات خطيرة. لكن، ثبت لي، في هذين اليومين، أن العمل معاً، والتركيز على رسالتنا التي هي خدمة المسيح في كنيسته، أمر ممكن. وبالعمل معًا سنتغلب أيضًا على صعاب اليوم. وشعرت أن الأساقفة والكهنة مستعدون لخوض المعركة وأن “يجاهدوا الجهاد الحسن”  والسير إلى الأمام بشجاعة، مهما كانت الطريق صعبة. بعون الله وإرادتكم الصالحة، أبدأ زمن الصوم بشعور من الارتياح، ومن عرفان الجميل العميق لكم جميعاً، وأشعر بقوة مجددة أريد أن أشارككم إياها جميعاً.

        في نهاية لقائنا، طلب الكهنة أن أشارككم جميعًا، بكل شفافية، صعوباتنا الراهنة، والتي أصبح الجميع يعرفها. ولكن أريد أن أعلمكم أيضًا عزمنا الأكيد لحل كل هذه المشاكل، بنعمة الله وبالالتزام الكامل من قبل جميعنا.

أسألكم أن تصلوا في زمن الصوم هذا، حتى نتمكن من العمل معا، أساقفة وكهنة، ورهبانًا وراهبات، ومؤمنين ومؤمنات علمانيين، شبابًا وبالغين ومسنّين. مثل “الحياة الرسولية” لجماعة المؤمنين الأولى في القدس، نحن أيضا نريد أن نكون “قَلبًا وَاحِدًا وَنَفسًا وَاحِدَة” (أعمال ٤: ٣٢) واثقين أن ما بدأه الله قبل ١٧٠ سنة سيكمّله هو، ويكون لنا فيه سندًا.

زمن الصوم زمن توبة. نحن الأساقفة والكهنة في البطريركية، نحن أيضًا من عداد الخطأة الذين يسألون الله الرحمة ويطلبون نعمة التوبة. أخطاؤنا وأحكامنا واضحة أمام أعيننا، كما يقول  صاحب المزمور في توبته أمام الله (مزمور٥١/٥٠: ٥). يجب أن نعترف أننا مثل “آنية من خزف“، مشقَّقة ومكسَّرة. أوكَل إلينا الله أمورًا كثيرة، لكننا في ضعفنا البشري سمحنا بحدوث تلف كثير. نحن نعلم أن الله يستخدم آنية متكسرة وأدوات ضعيفة، بحسب تدبيره الخلاصي: “لأَنَّ اللهَ الَّذِي قَالَأَنْ يُشْرِقَ نُورٌ مِنْ ظُلْمَةٍ»، هُوَ الَّذِي أَشْرَقَ فِي قُلُوبِنَا، لإِنَارَةِ مَعْرِفَةِ مَجْدِ اللهِ فِي وَجْهِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ.وَلكِنْ لَنَا هذَا الْكَنْزُ فِي أَوَانٍ خَزَفِيَّةٍ، لِيَكُونَ فَضْلُ الْقُوَّةِ ِللهِ لاَ مِنَّا. مُكْتَئِبِينَ فِي كُلِّ شَيْءٍ، لكِنْ غَيْرَ مُتَضَايِقِينَ. مُتَحَيِّرِينَ، لكِنْ غَيْرَ يَائِسِينَ” (٢ قورنتس ٤: ٦– ٨).

ويمكن أن نكون أكيدين أن الكنز الذي نحمله سوف يسطع نوره، ولو أننا نحن آنية من خزف.  

أيها الإخوة والأخوات، لنتّحد في الصلاة في زمن الصوم، ولنَحزم أمرنا لنسير مع المسيح إلى القدس. سيكون الطريق صعبًا. ولكن دعوني أشارككم ثقتي بالله وبكم. إننا إن ثبتنا مع الله سوف نبلغ نحن أيضًا مجد القيامة.

ليبارككم الله جميعاً في كل زمن الصوم هذا.

القدس في ٣ آذار ٢٠١٧

بييرباتيستا بيتسابالّا
المدبّر الرسوليّ

مقابلة– عُيِّن المطران وليم الشوملي نائبًا بطريركيًّا للبطريركية اللاتينية في الأردن، في ٨ شباط ٢٠١٧. عيَّنه المدبّر الرسولي للبطريركية اللاتينية، بييرباتيستا بيتسابالا، ليخلف سيادة المطران مارون لحام. تمَّت هذه المقابلة معه، في عشيّة القداس الذي سيحتفل به في يوم استقباله في عمان، يوم الجمعة ٢٤ شباط. يوجّه كلامه إلى رعاياه في الأردن ويذكر أهمّ التحديات التي تنتظره. Read more

مقدمة

رحلة الإدارة“ هي قراءة شخصية لواقع العمل الإداري في المؤسسات الكنسية، خصوصاً للكاهن أو المكّرس، الذي اعتاد على العمل الرعوي والحياة اليومية مع المؤمنين (كنيسة، رعية، فعاليات رعوية، زيارة المرضى …)، هي لحظات مليئة بالنعمة في حياة الكاهن، حيث يمارس جميع وظائف المسيح:

الكهنوتية، الملكية والنبوية.

يتحدث القديس بولس في رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس (١٢: ٢٧–٣١) ” وأما أنتم فجسد المسيح وأعضاؤه أفرادا. فَوَضَعَ اللهُ أُنَاسًا فِي الْكَنِيسَةِ: أَوَّلاً رُسُلاً، ثَانِيًا أَنْبِيَاءَ، ثَالِثًا مُعَلِّمِينَ، ثُمَّ قُوَّاتٍ، وَبَعْدَ ذلِكَ مَوَاهِبَ شِفَاءٍ، أَعْوَانًا، تَدَابِيرَ، وَأَنْوَاعَ أَلْسِنَةٍ. أَلَعَلَّ الْجَمِيعَ رُسُلٌ؟ أَلَعَلَّ الْجَمِيعَ أَنْبِيَاءُ؟ أَلَعَلَّ الْجَمِيعَ مُعَلِّمُونَ؟ أَلَعَلَّ الْجَمِيعَ أَصْحَابُ قُوَّاتٍ؟ أَلَعَلَّ لِلْجَمِيعِ مَوَاهِبَ شِفَاءٍ؟ أَلَعَلَّ الْجَمِيعَ يَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَةٍ؟ أَلَعَلَّ الْجَمِيعَ يُتَرْجِمُونَ؟ وَلكِنْ جِدُّوا لِلْمَوَاهِبِ الْحُسْنَى. وَأَيْضًا أُرِيكُمْ طَرِيقًا أَفْضَلَ“ عن هبة ونعمة الروح القدس إلى الكنيسة “المواهب، وعن تنوعها وتعددها فهي أقرب ما تكون لأعضاء الجسد الواحد لكل منها أهميته الخاصة، وكل عضو منها يكّمل ما ينقص من العضو الآخر، وهذا التنوع والتكامل ما وجد إلا ليخدم الكنيسة والآخر، هكذا هم الكهنة لكلٍ منهم موهبته الخاصة به يكمل بعضهم بعضاً وهم السبيل في بناء جسد المسيح.

ولأن كل يوم في حياة الكاهن هو يوم مختلف وجديد، فها هو الآن يبدأ “رحلة“ جديدة وتغيير في نمط رسالته: يجلس طويلاً وراء المكتب، ويقضي معظم وقته أمام الكمبيوتر، البريد الإلكتروني، الهاتف، الأوراق، التقارير وعدد محدد من الموظفين لمتابعة عمل المؤسسة الإداري والتنظيمي والتخطيط المستقبلي لاستمرارية فعالية وقوة المؤسسة.

وبما أن فضيلة المحبة تقوم في جوهرها على العطاء والتضحية من أجل الآخرين، فإن ارتباط هذه الرحلة بها هو الطريق الأفضل، فطريق المحبة هو الطريق إلى الله.

مخاطر رحلة الإدارة

وكما نتقبل هذه الهدية من الروح القدس فعلينا إدراك مخاطرها جيداً، فعلى الصعيد الشخصي من الممكن أن لا يمتلك الكاهن الرغبة بهذه الرسالة، والسؤال الذي يلح عليه هنا، ماذا أحب؟ وماذا يجب أن أعمل؟ ومدى تأثير هذه الرغبة أو عدمها على فعالية العمل الذي يقوم به، إضافةً إلى الغرور والكبرياء الذي يجعله في بعض الأحيان يظن أنه يمتلك معرفة أفضل وانه افضل من غيره وأن طريقته هي الطريقة الوحيدة الحقيقية! أضف إلى ذلك أن هنالك جانب سلبي أخر يكمن في الانشغال بالعمل الإداري وإهمال البعد الروحي والصلاة والالتزامات الروحية، فيكون التركيز مُنصباً على العمل الإداري على حساب رفع الآخرين إلى الله من خلال عملهم، تذكرنا القديسة الأم تريزا  “عملي هو صلاتي.

وكما أن هنالك مخاطر شخصية للعمل الإداري فله تأثيره الواضح أيضاً على العمل المؤسسي والجماعي، أبرز هذه التأثيرات هو سوء اختيار الشخص للموقع المناسب، ما يؤدي إلى غياب الأسس الإدارية الهامة مثل التخطيط، التنظيم، إدارة الوقت، العلاقات الإنسانية، الرؤية، تفويض السلطة، العمل الجماعي وغير ذلك من أولويات الإدارة، مما يؤدي بالتالي إلى الجمود في العمل المؤسسي.

رحلة الإدارةهي هدية

الإدارة الكنسية هي الهدية من قبل الله فهي نعمة الروح القدس في سبيل النمو الفردي والجماعي بهدف بناء الجماعة وجسد المسيح السري/ الكنيسة.

عندما يتحول طريق الكاهن من العمل الرعوي إلى العمل الإداري، في تلك اللحظة بالذات سوف يدخل تجربة جديدة في طريق النمو الشخصي ومعرفة الذات، بداية لحياة التفاني وخدمة الله والآخر، حيث يصبح إدراكه أعمق باحتياجات الآخر، والإمكانات والحدود التي يمتلكها، فيصل إلى مرحلة من النضج الروحي يدرك من خلالها أن جوهر رسالته هو تحويل عمله إلى صلاة، والإحباطات التي تواجهه إلى صليب، من خلال رفع عمله والآخرين إلى الله.

وكما تساهم الإدارة في النمو الشخصي للكاهن فهي تساهم بذات الوقت في النمو المؤسسي والجماعي، إن رسالة اليوم تتلخص في أن “الكنيسة بيت للجميع“، حيث يقول البابا فرنسيس “افتحوا قلوبكم، أيديكم، أبوابكم في كل المناسبات، واخرجوا… يسوع  على الباب يناديكم” فالعمل الإداري هو مناسبة للقاء والتأثير بالآخر والمجتمع عبر التواصل المباشر، الحوار معاً، العطاء المتبادل، وهذا العمل لا ينجح إلا من خلال التحلي بالتواضع والسير مع القطيع.

الإدارة الكنسية هي رحلة في طريق غير متوقعة أحياناً، يحتاج بها إلى الشجاعة وحسن التمييز، ويسير بها إلى حيث ما يريد الله أن يقوده، لا حسب ما يريد هو.

مهارات إدارية روحية

تدعو الإدارة الكنسية إلى التحول من العمل الميداني التطبيقي إلى رؤية قيادية ثابتة تخترق الحواجز والأبواب، فالمدير يحسن القيام بالعمل أما القائد فيحسن العمل ذاته (Do things right à Do the right things).

وحيث أن الإدارة الفعالة تتطلب مجموعة واسعة من المهارات، وكل من هذه المهارات يكمل الآخر، ولأن للمدير الفعال التأثير الأكبر في نمو المؤسسة الكنسية التي ينتمي لها، كان لا بدّ من التركيز على هذه المهارات الإدارية والروحية اللازم تطويرها وتنميتها لدى هؤلاء القادة:

١. الدعوة إلى رؤية ثاقبة

كما ذكرنا فإن الإدارة الكنسية هي دعوة من الله بنعمة الروح القدس لإدراك مشيئته من خلال الإنسان، والكاهن المدعو إلى العمل الإداري هو الذي يمتلك الرؤية والإلهام والتحدي، ولإنجاح هذه الرؤية فهو بحاجة إلى زرع الانسجام في العمل، من خلال احترام القدرات، القبول والتنوع، وخلق بيئة إنسانية والأهم من ذلك كله تحويل العمل إلى كنيسة صغيرة مبنية على الشركة والمشاركة وعلى روح التضامن والإخاء والمحبة والخدمة.

٢. بناء الثقة

علينا أن ندرك جيداً أن الحجر الأساسي لتحقيق النجاح هو “الثقة المتبادلة“، فهل نثق في حضور الآخرين وفي عملهم وتميزهم؟ وهل نتقبل الآخر باختلافه وتنوعه ونقده البنّاء وبفكره الجديد؟، بدايةً علينا تقبل محدوديتنا، فأحدنا يكمل الآخر، ومن واجب المدير بناء جسور الثقة مع الآخر من خلال التعامل الإنساني معه أولاً، والعمل بروح الفريق، فيتمكن بناءً على ذلك من تحديد قدرات فريقه والاعتماد على مفهوم التخصص والمهنية واللجوء إلى التفويض، وبالتالي يمكنه مساعده فريقه على تحقيق أهدافه بكفاءة وفعالية.

٣. التواضع ما جئت لأُخدَم بل لأَخدُم

بينما تسعى الإدارة عادةً إلى الارتقاء والمناصب، تسعى الإدارة الكنسية إلى “الخدمة” على مثال المعلّم الحقيقي، وهنا، الحاجة ضرورية إلى لحظات وقوف وتأمل أمام الذات: لماذا أنا هنا؟ ما هو هدفي؟، ثم العمل على تحويل الإدارة إلى رسالة روحية، وإلى مساعدة الآخر على النمو، فالخدمة هنا أساسها المحبة المرتبطة بفضيلة التواضع، فهي تسمو وتتقبل الذات من خلال العمل مع الآخر، مع إزعاجه، إلحاحه، عدم إبداعه وإخفاقه.

يقول البابا فرنسيس “اسهر بمحبة ورحمة على قطيعك حيث وضعك الروح القدس لتدعم كنيسة الله وتدافع عنها“.

الإدارة سر فصحي

كما ذكرنا سابقاً عند اعتبار الإدارة “صليب” في بعض الأحيان في الحياة الشخصية والجماعية، فإن جوهر العمل الإداري الكنسي هو “الصليب والقيامة“، هو صليب يومي، من خلال التساؤل الدائم الذي يدور في أذهاننا حول عدم الرغبة في القيام بهذا النوع من العمل، في الإزعاجات والخلافات اليومية على أسس إدارية وتنظيمية مع الزملاء، المسؤولين والمجتمع، خصوصاً إن كانت المسؤولية مالية، لكن هي أيضاً “سرّ القيامة” عبر الانتقال من المعاناة والصليب إلى التحوّل للأمل والفرح بالقيامة والنجاح، عبر التدرب على فضيلة التواضع والصبر، فلا قيامة بدون صليب، نحن بحاجة إلى نعمة الروح القدس لقبول الفشل، الضعف والسقوط وتحويلها إلى صلاة، إنها موت ذاتي في سبيل قيامة جماعية.

خاتمة

هذه هي “رحلة الإدارة” هي رحلة شاقة ولكنها مفرحة، مؤلمة لكنها تحمل بين طياتها الأمل في المستقبل، هي رسالة في التضحية وصليب في سبيل نجاح الآخر. فليس كل تغيير هو تحسين وإنما كل تحسين هو تغيير، فدور الكاهن في هذه الفترة هي عمل رسالة تبشيرية وخبرة خلاصية له وللمحيطين به من خلال عمله الإداري.

قال يسوع: “إِنْ لم تَقَعْ حبَّةُ الحِنطةِ في الأَرض وتَمُت بَقِيَتْ وحدَها وإِذا ماتَتْ أَخرَجتْ حَبَّاً كثيراً. مَنْ أَحَبَّ حياتَهُ فَقَدَها. ومَنْ أَبْغَضَها في هذا العالمِ حَفِظَها للحياةِ الأَبديَّة(يوحنا ١٢:٢٤)، وكما هي حبة الحنطة يدعونا يسوع إلى قبول الموت الروحي والتضحية من خلال تحمل كل هذه الصعوبات والمشقات برضى ومحبة، ومن خلال والقيام بأعمال عكس رغبتنا في بعض الأحيان في سبيل الله وفي سبيل الآخرين، فالله يعمل من خلالنا بضعفنا وحدودنا، يسير بنا حتى لو كانت الطرق معوجة، ولكنها تصل بنا إلى النور الحقيقي، تصل بنا إليه.

بقلم الأب عماد الطوال


بيان – أقرت الكنيست، مساء الاثنين ٦ شباط ٢٠١٧، قانوناً يتيح للحكومة الإسرائيليّة مصادرة الأراضي وشرعنة الوحدات الاستيطانية المقامة على أراضٍ فلسطينية خاصة.

تُدين البطريركيّة اللاتينيّة بشدة هذا القانون الجائر، الذي يتيح مصادرة أراضٍ فلسطينيّة خاصة بحكم الأرض الواقع لصالح الاستيطان الإسرائيلي. ويقوّض هذا القانون فرص السلام وحل الدولتين، بالإضافة إلى ما يترتب عليه من عواقب وخيمة.

هذا وتدعو البطريركيّة اللاتينيّة القادة إلى اتخاذ قرارات حازمة من أجل تحقيق السلام والعدالة والكرامة الإنسانيّة.

البطريركيّة اللاتينيّة في القدس

والمؤمنين الأعزاء في أبرشية القدس للاتين،

سلام ومحبة المسيح معكم دائمًا،

أود أن أعلمكم أن قداسة البابا فرنسيس قبل اليوم استقالة سيادة المطران مارون اللحّام كأسقف مساعد في الأبرشيّة.

تقدّم الأبرشيّة شكرها لسيادة المطران مارون للخدمة التي قدّمها، وترافقه بالصلاة وتتمنى له كل خير منه تعالى في هذه المرحلة الجديدة في حياته.

                                                                                              + بييرباتيستا بيتسابالّا

المدبّر الرسوليّ للبطريركية اللاتينية

Designed and Powered by YH Design Studios - www.yh-designstudios.com © 2017 All Rights Reserved
X