رسالة راعوية

بمناسبة ذكرى ١٢٥ سنة على وفاة

الطوباوية مريم يسوع المصلوب عام ١٨٧٨

المقدمة

١. إلى إخوتنا الكهنة والرهبان والراهبات والشمامسة والمؤمنين الأعزاء   

نعمةُ ربِّنا يسوع المسيح ومحبّةُ الله وشركةُ الروحِ القدس معكم دائما.

نذكرُ في هذا العام مرورَ ١٢٥ سنةً على وفاةِ الطوباويةِ مريم يسوع المصلوب، الفتاةِ البسيطةِ من إحدى رعايانا، رعيةِ عبلين (قرب الناصرة) للروم الكاثوليك، والراهبةِ في ديرِ راهباتِ الكرمل في بيتَ لحم. كانت فتاةً عاديةً بسيطة، وكانت في الوقتِ نفسه موضوعَ نعمٍ خاصةٍ من قِبَلِ الله. وإننا نريدُ أن نتأمَّلَ معكم في سرِّ حياتِها وفي سرِّ الله الذي ملأها. ونريدُ أن نصغيَ معًا إلى الرسالةِ التي يوجِّهُها الله إلينا بوساطتِها في أيامِنا هذه المليئةِ بالصليبِ والتحدّيات، والزاخرةِ في الوقتِ نفسِه بنعمةِ التجدُّدِ الروحيِّ والرعويِّ التي منَّ بها الله علينا في سينودس الكنائسِ الكاثوليكيةِ في الأرضِ المقدّسة وفي المخطَّطِ الرعويِّ الذي نجمَ عنه والذي يدعونا إلى حياةٍ جديدةٍ في كنائسِنا وفي مجتمعاتِنا .

            نبدأُ فنَحمَدُ الله الذي أنعمَ علينا في هذه الفترةِ من تاريخِ كنائسِنا بحياةٍ رهبانيةٍ وافرةٍ في أبرشياتِنا، ما زالَتْ حتى اليومَ تكمِّلُ صلواتِ النسّاكِ والرهبانِ الذين ملأوا في القرونِ الأولى للمسيحيةِ أنحاءَ الصحراءِ والمدنَ في أرضِنا المقدّسة. ومن بين هذه الرهبناتِ اليوم، رهبنةُ الكرمل في بيتَ لحم حيث عاشَتْ الطوباويةُ مريم يسوع المصلوب حياتَها الرهبانيةَ المتواضعةَ والغنيةَ بالمواهبِ الروحية.

موجز سيرتها

٢.           وُلِدَت مريم بواردي في عبلّين عام ١٨٤٦ في أسرةٍ متواضعةٍ كانَ الله قد افتقدَها في عميقِ سرِّ رحمتِه، إذ تُوُفِّيَ لها ١٢ طفلا الواحدُ تِلوَ الآخر فورَ ولادتِهم. فصلَّى الوالدان وحجَّا سيرًا على الأقدامِ إلى كنيسةِ المهدِ في بيتَ لحم ونذرا لله النذور. فرزقَهما الله ولدَيْن بَقِيَا على قيدِ الحياة، وهما مريم وبولص. واستمرَّ افتقادُ الله للعائلة، فتُوُفِّيَ الوالدُ ثم الوالدة، لما كانَت مريم بعدُ في الثالثةِ من عمرِها وبولص في السنةِ الأولى. فنشأ الصغيران يتيمَيْن، نشأَ بولص في رعايةِ عمَّتِه. وارتحلَتْ مريم مع عمِّها الذي تبنَّاها إلى الإسكندرية.

عاشَتْ مريم في عائلةِ عمِّها حياةً هنيئةً مطمئِنَّة. وكانَت نعمةُ الله تعملُ فيها، فنذرَتْ بتوليّتَها لله وهي بعدُ صغيرة. وعمُّها لا يعلم. فلما وضعَ الخِطَطَ لزواجِها، اصطدمَ بنعمةِ الله في ابنةِ أخيه التي عارضَتْ مخطَّطاتِه البشرية، فتحوَّلَت مودّتُه لها وقَسَا عليها. وتوجَّهَت يومًا إلى أحدِ أبناءِ البلدةِ الذي كان يَنوِي السفرَ من الإسكندرية إلى عبلين، لتسلِّمَه رسالةً إلى أخيها الصغير بولص تُعلِمُه فيها بما صارَت إليه حالُها. وبدلَ العونِ الذي طلَبَتْه لدى ابنِ بلدتِها وجدَت نفسَها أمام إنسانٍ حاولَ الإساءةَ إليها والاعتداءَ عليها وعلى إيمانِها. ولما أثارَت غضبَه بصلابةِ موقفِها لما عرضَ عليها تغييرَ ديانتِها، ثارَ غضبُه فضربَها بخِنجرٍ وظنَّ أنه قتلَها. فحملَها وألقاها في شارعٍ بعيدٍ ليتخلَّص من جريمتِه.

وفي هذه الغربةِ والتشرُّدِ وعِداءِ الناس، بدأ عملُ السماءِ معها. قالَت مريم فيما بعد: “إنّ سيدةً تُشبِهُ راهبة، يَلُفُّها رداءٌ بلونِ السماءظهرَت لها وهي مُلقاةٌ شبهَ ميْتةٍ فعالجَتْها، وقالَت لها: “صحيحٌ أنّك بتول. ولكنَّ حياتَك لم تكتمِلْ بعد“. وظلَّتْ تظهرُ لها وتعالجُها مدةَ شهر، حتى تمَّ شفاؤها، فسلّمَتْها السيدةُ إلى كاهنِ الرعيةِ في كنيسةِ القديسةِ كاترينا للفرنسسكان في الإسكندرية ثم توارَت، ولم تَعُدْ تراها من بعد. وفي قناعةِ مريم أنّ تلك السيدةَ هي مريمُ العذراءُ نفسُها حَنَتْ عليها في شدّتِها. ووجدَ الكاهنُ لها عملا لدى إحدى العائلاتِ في الرعية. وتنقَّلَت مريم منذ ذلك الوقتِ بينَ أُسَرٍ تخدُمُها في الإسكندرية والقدس وبيروت ثم مرسيليا في فرنسا. وهناك استطاعَت أن تدخلَ الحياةَ الرهبانيةَ عند راهباتِ مار يوسف أولا عام ١٨٦٥ في مرسيليا، ثم عندَ راهباتِ الكرمل في مدينةِ بوعام ١٨٦٧ وفيه اتخذَت اسمَها الذي عُرِفَت به فيما بعد: “مريم يسوع المصلوب“.

مواهب وآيات خارقة

٣.        كانَت فقيرةً متواضعةً وغيرَ متعلِّمة. ولكنَّ الله ميَّزها بالنعمِ والآياتِ الكثيرةِ منذ طفولتِها. ذكَرْنا إثرَ الاعتداءِ عليها ظهورَ السيدةِ العذراءِ لها وأنها ظلَّت تتردَّدُ عليها مدةَ شهرٍ حتى شُفِيَت. وقبلَ أن تغادرَها أوصَتْها قائلة: “كوني دائمًا راضيةً مسرورة، بالرغمِ من كل الآلامِ التي ستتحمَّلينها، لأنَّ الله صالِحٌ وسيمنحُك القوّةَ اللازمةَ لذلك. واذكُري هذا كلَّ حياتِك: لا تُصغِي أبدًا إلى ما يقولُ الشيطان. واحذَرِيه لأنه خبيث. وإذا سألْتِ الله شيئًا لن يمنحَك إياه فورًا، وذلك ليمتحنَ ثقتَك به وهل تحبّينه دائمًا وفي جميعِ الأحوال. وبعدَ حين يمنحُك الله ما طلبْتِه منه، إن بقِيتِ راضيةً مسرورةً وإن كنتِ تحبّينه. لا تنسَيْ النعمَ التي منحَكِ إياها الله. وكوني دائمًا ممتلئةً محبّة“.

وقالَت لها السيدةُ العذراءُ إنها لن تعودَ ترى عائلتَها. وبيَّنَت لها أهمَّ مراحلِ حياتِها المقبلة: “ستكونين ابنةً للقديسِ يوسف ثم للقديسةِ تريزا، وسترتدين الثوبَ الرهبانيَّ في ديرٍ وتُبرِزين النذورَ الدائمةَ في ديرٍ آخر وتموتين في ديرٍ ثالث“. وهكذا كان: دخلَت أولا الديرَ عند راهباتِ مار يوسف في مارسيليا، ثم دخلَت ديرَ الكرمل في مدينة بوفي فرنسا، ونذرَت نذورَها الدائمةَ في ديرٍ آخرَ في الهند، وتُوُفِّيَت في ديرٍ ثالثٍ في بيت لحم.

وميَّزَها الله بخوارقَ كثيرة، والأهمُّ من ذلك بحياةٍ متّحدةٍ به تعالى كانَت مصدرَ فرحٍ روحيٍّ عميقٍ لها. قالَت في ذلك: “الله. لا أقدِرُ أن أتمالكَ نفسي. أشعرُ بسلامٍ وفرحٍ كبيرَيْن. لا أدري ما بي ولا أين أنا. قلبي في داخلي يذوبُ مثلَ الزيتِ النقيِّ الذي ينسابُ بلِينٍ في كياني. أنا في الله والله فيَّ. أشعرُ أن الخلائقَ كلَّها، الشجرَ والأزهارَ، هي لله ولي أيضا. لا إرادةَ لي. إنها ذائبةٌ في مشيئتِه تعالى.  وكلُّ ما هو له فهو لي. ربِّ، أعطِني قلبًا يَسَعُ الكونَ كلَّه“.

حياتها الروحية وبعض أقوالها

٤.        أنعمَ الله على مريم يسوع المصلوب بإنعاماتٍ وآياتٍ خارقة. إلا أن قداستَها ليسَتْ في هذه الخوارق، بل في البساطةِ والعَفَويّةِ الظاهرةِ في حياةِ اتحادِها بالله. لم تكُنْ متعلّمة، وقد أَمْلَتْ على مَن كانَ يكتُبُ لها كتاباتٍ قريبةً من كتاباتِ المتصوِّفِين الكبارِ في تاريخِ الكنيسة. لم يُعلِّمْها الناسُ بل علَّمَها الله. وصحَّ فيها قولُ السيدِ المسيح: “أحمَدُكَ يَا أبَتِ، رَبَّ السَّمَاوَاتِ وَالأرضِ، عَلَى أنَّكَ أخفَيْتَ هَذِهِ الأشيَاءَ عَلَى الحُكَمَاءِ وَالأذكِيَاءِ وَكَشَفْتَهَا لِلصِّغَارِ” (متى ١١: ٢٥)، وصحَّ فيها أيضًا ما قاله القديس بولس: “مَا كَانَ مِن ضَعفٍ فَذَاكَ مَا اختَارَهُ اللهلأنَّ الضَّعفَ مِنَ الله أوفَرُ قُوَّةً مِنَ النَّاسِ” (١ قورنتس ١: ٢٥ و٢٧). ولنتأمَّل معًا في بعضِ أقوالِها.

قالَتْ في حياةِ الاتحادِ بالله وحضورِه في خليقتِه وفي حياةِ الناس:  

أماه، جميعُهم نائمون. الله كلُّه صلاح. الله الكبيرُ المستحقُّ كلَّ مديح، لقد نَسَوْه. لا أحدَ يفكِّرُ فيه. انظروا، الطبيعةُ تسبِّحُه. السماءُ والنجومُ والشجرُ والعشبُ وكلُّ شيءٍ يسبِّحُه، والإنسانُ الذي يعرِفُ نعمَه والذي يجبُ أن يمدحَه نائمٌ لا يراه. هلمّوا نوقظْ الكونَ من سباتِه“.

ما أحلى أن أكونَ لك، يا مخلّصي. اسمُك كبيرٌ يملأ السماء.كلُّ شيءٍ يسبِّحُه، ويمتلئُ فرحًا في حضرتِه. إنه أعطاني أجنحةً لأطير. نظرَ إليَّ ورَحِمَني. أعطاني أجنحةً أطيرُ بها. الهوّةُ التي كنْتُ فيها عميقة. والسيّدُ أخرجَني منها. ما أسعدَ هذا النهار. ليته لا ينتهي. ماذا تقولون، يا سكانَ الأرض؟ إنه أعطاني أجنحةً لأطير. أعطاني ألفَ زهرةٍ وزهرة، لأنثُرَ على الطريقِ التي أسيرُ فيها. وضع بينَ يديَّ سلّةَ زهور. كلُّ صديقٍ يقدِرُ أن يقطِفَ منها. نثَرْتُها على طولِ الطريق. الأصدقاءُ والأعداءُ تهافتوا ليأخذوها. أعطاني أجنحةً لأطير، ووضعَ على ركبتيَّ سلّةَ زهور. السماءُ والأرضُ تبتسمان، وكلُّ شيءٍ يبتسمُ ابتسامةً طاهرة. عندما ينظرُ الله إلى مختاريه فإنَّ نظرتَه تذيبُ القلبكم هو عذْبٌ سماعُ الكلامِ في يسوع، وأعذبُ من ذلك أن أسمعَ يسوعَ نفسَه. عَذْبٌ التفكيرُ فيه وأعذبُ من ذلك أن أمتلكَه. عذبٌ الإصغاءُ إليه وأعذبُ من ذلك أن أصنعَ مشيئتَه“.

            وفي اتحادِها بالله وفرحِها الروحيِّ قالَت:

فُتِنَت روحي بأعمالِك، يا الله. من يقدرُ أن يحدِّثَكَ، أيها الإلهُ العظيم. أيها القدير. نفسي أمامَك منذهلة.

أنا عَدَمٌ وحبَّةُ غبارٍ تقولُ لك: هلمَّ إليّ. من يجرُؤُ فيقولُ إن القديرَ ينظرُ إليّ. نظرةٌ واحدة. أنتَ الذي تنظر إليَّ، هلمَّ إليَّ. أنتَ وحدَك يا إلهي، أنت وحدَك كلُّ شيءٍ لي.

إني أراك، أيها الصلاحُ السامي. نَظرَتُك مثلُ نظرةِ الوالدة. هلمَّ سريعًا، يا شمسَ البِرّ. استيقظ. إن نفسي تذوبُ وتئِنُّ في انتظارِك. هلمَّ سريعًا. إن نفسي تطيرُ وترتفعُ بأجنحةِ الحمامةِ نحو إلهي. إنه كلُّ شيءٍ لي.

نَظرَتُك تعزّيني. ونفسي ترتعشُ. العَدَمُ، بل حبَّةُ الغبارِ ترتعشُ أمام الإله العظيم. جاءَ يزورُ حقلَه، فانطلقي إليه يا نفسي. نفسي تراك في الغيوم، ولا تقدرُ أن تبقى هنا على الأرض. تكفي نظرةٌ منكَ لتجذِبَ العَدَمَ إليك“.

الله ساطعُ البهاءِ في قدرته. كلُّ شيءٍ يبسبِّحُه. كلُّ شيءٍ يسبِّحُه. نفسي مفتونةٌ بك. لا قدرةَ لها بعد على البقاءِ هنا. خُذْها إليك. مَن كانَ الله له كان كلُّ شيءٍ له“.

وقالَت في نشيدٍ آخر، مقتبَسٍ من المزمور ٩٤/٩٥ الذي يُتلى كلَّ يومٍ في بدايةِ صلاةِ الساعات:

هلموا نسجُدْ لملكِنا وأبينا.

هو الذي صنعَ كلَّ شيءٍ على الأرضِ، هلموا نسجدْ له.

هلموا نجثو أمامَ الربِّ صانعِنا، نَهَبْه قلوبَنا. هلموا نسجدْ له.

هلموا. سبِّحوه وباركوه. ولنقلْ له بالفمِ وبالقلب: لا إلهَ مثلُك، أيها الإلهُ العليّ. هلموا نسجدْ له. لنسجدْ للثالوث القدوسِ الإلهِ الواحد. يا لَلسّر الذي لا يُدرَك. هلموا نسجدْ له.

ثلاثةٌ وواحد. يا لَلقدرةِ ويا لَلجلال. هلموا نسجدْ له“.

ومثلَ كلِّ إنسان، ومثلَ جميعِ أولياءِ الله، كانَت مريم مع تواضعِها وتقواها، تجتازُ هي أيضا فتراتٍ روحيةٍ صعبة، حتى راودَتْها أحيانًا تجربةُ اليأس. قالَت في ذلك:

أتألَّمُ  ولا أدري هل أكونُ من المخلَّصين. ولكنَّ صوتًا في أعماقِ قلبي يقولُ لي: نعم، سأرى إلهي، وسيكونُ لي مكانٌ معه في سمائِه الجميلة، وسأُسَر    ُّ برؤيتِه

لا تعامِلْنا، يا رب، بحسبِ عدلِك، بل بحسبِ رحمتِك، لأنك أنت وحدَك القدّوسُ والعادل. إني أفضِّلُ أنا وإخوتي أن أَمثُلَ أمامَ رحمتِك، لا أمامَ عدلِك. عامِلْنا، يا رب، بحسبِ رحمتِك لا بحسبِ عدلِك. إننا لا نقدِرُ مع آثامِنا أن نقفَ أمامَ عدلِك. إن عامَلْتَنا بحسبِ عدلِك، فما أعمقَ الجحيمَ لي ولإخوتي. أنت، يا رب، عادلٌ وبارّ، فعامِلْنا بحسبِ رحمتِك. ارحَمْ، يا رب، صراخَ إخوتي. أشكرُك لأنك أنت هو ديّاني. لو كنتُ أنا ديّانَ نفسي لحكمْتُ على نفسي بالجحيم. أمّا أنت، يا رب، فسترحمُني.  اللهم، احكُمْ علينا  لا كما يحكُمُ الناس، ولكن كما تحكُمُ أنت، يا الله، حُكمَ أبٍ وخالق“.

وفي مثلِ هذه الحالاتِ الصعبةِ كانَت تتوجَّهُ بابتهالِها إلى الروحِ القدس. قالَت يومًا:

في هذا الصباح (١٤ تشرين الثاني ١٨٧١) استولى عليّ الغمُّ لأني لم أكنْ أشعرُ بحضورِ الله. شعرْتُ وكأنَّ قلبي من حديد. لم أكُنْ قادرةً على التفكيرِ في الله. فوجَّهْتُ ابتهالي إلى الروحِ القدسِ وقُلْت: أنت الذي تعرِّفُنا بيسوع. ظلَّ الرسلُ معه مدةً طويلةً من غيرِ أن يعرفوه. وما أن حلَلْتَ عليهم حتى عرفوه. ستُعرِّفُني إياه أنا أيضا. هلم، يا عَزائي. هلم، يا فرحي وسلامي وقوتي ونوري. هلم أملأني بنورِك لأجدَ الينبوعَ الذي أُروي فيه عطشي. قطرةٌ منكَ تَكفيني لتُرِيَني يسوع كما هو“.

وكانت توجِّهُ أحيانا، في حالة انخطافِها بالروح، نصائحَ روحيةً لأخَواتِها الراهباتِ فتقول: “حافِظْنَ على الهدوءِ والطمأنينة،  لأن الشيطانَ يصطادُ في الماءِ العَكِر. أريدُكُنَّ أن تحافِظْنَ على السلامِ الداخلي. لا تدَعْنَ الهمومَ تستولي عليكنَّ بسببِ المخاوفِ والوساوس. اعمَلْنَ ما

تقدِرْنَ عليه وتواضَعْنَ بسببِ ما لا تقدِرْنَ عليه. أَحرِقْنَ كلَّ المخاوفِ والهمومِ في نارِ الحب“.

            قالَت في التواضع: “كُنْ صغيرًا حتى لا تدخلَ السماءَ وحدَك. كُنْ صغيرًا تكسَبْ عددًا كبيرًا من الناس، وتدخُلْ السماءَ جماعاتٍ كبيرةلا تخَفْ شيئًا، أيها القطيعُ الصغير. سيأتي يومُ الربِّ مثلَ الشمسِ عند الظهيرة. سيروا في الأرضِ غيرَ خائفين. إلهُ الرعدِ هو سندُكم. لا تخَفْ شيئا، أيها القطيعُ الصغير. كُنْ صغيرًا ولا تخَفْ شيئا. لا الرعدُ ولا المطرُ ولا الجبالُ تستطيعُ أن تمَسَّ مَن اختارَهم الله…”. كونوا صغارًا فيحفظَكم الكبيرُ بقدرتِه وتكونوا معه كبارًا.

            وكانت تكرِّمُ مريمَ العذراء وترى في إكرامِها ضرورةً للمؤمن: “إنّ خلاصَكم وحياتَكم عند أقدامِ مريم. أنتنَّ اللواتي تعمَلْنَ في هذا الدير، إن مريم تُحصِي خُطُواتِكنَّ وقَطَراتِ عرقِكُنَّ. قولوا: وجَدْنا الحياةَ عند أقدامِ مريم. أنتنَّ اللواتي تَعِشْنَ في هذا الدير، تحرَّرْنَ من كلِّ شيءٍ على هذه الأرض. إنَّ حياتَكنّ وخلاصَكنّ عند أقدامِ مريم“.

رسالتها لنا  

٥.           في الظروفِ الراهنةِ التي نعيشُها، إذا ما تأمَّلْنا في الطوباوية مريم يسوع المصلوب، طلَبْنا شفاعتَها في ثلاثةِ مجالاتٍ بصورةٍ خاصة. أولا التجدُّدُ في الحياةِ الرهبانيةِ والتأمّليةِ في أبرشياتِنا. وثانيًا التجدُّدُ في المسيرةِ الرعويةِ التي تَلَتْ سينودس الكنائسِ الكاثوليكيةِ في الأرضِ المقدّسة. وثالثًا نطلُبُ شفاعتَها في مسيرتِنا الصعبةِ نحو العدلِ والسلامِ والاستقرارِ السياسيِّ في الأرضِ المقدَّسةِ وفي منطقةِ الشرقِ الأوسطِ كلِّها.

التجدد في الحياة الرهبانية

٦.           الحياةُ الرهبانيةُ وافرةٌ والحمدُ لله في أبرشياتِنا. والخَدَماتُ التي تؤدّيها إلى الكنيسةِ والمجتمعِ خَدَماتٌ جليلةٌ تستحقُّ الثناءَ والتقدير. إلا أن كنائسَنا تحتاجُ في هذه الأيامِ وفي كلِّ مجالٍ إلى حياةٍ جديدة. ومن ثَمَّ فإن مؤسساتِنا الرهبانيةَ أيضًا بحاجةٍ إلى أن تجدِّدَ نفسَها باستمرارٍ لتحافطَ على أصالتِها وصِدقِ شهادتِها ليسوع في أرضِه. والطوباوية مريم تقدِّمُ لنا طريقةَ هذا التجدُّدِ في بساطتِها وتواضعِها. وقد امتلأتْ بحضورِ الله في حياتِها البسيطة. فمثالُها يقولُ لنا أن نجعلَ اللهَ حاضرًا في كلِّ خَدَماتِنا للكنيسةِ وللمجتمع. ففي الأديرةِ التأمّلية،  وفي خدمةِ الأماكنِ المقدَّسةِ واستقبالِ الحجّاجِ ومرافقتِهم، وفي مجالِ التربيةِ والتعليم، وفي مختلِفِ الخَدَمات الاجتماعيةِ من مستشفياتٍ ومياتمَ ودورٍ لذوي الاحتياجاتِ الخاصة وغيرِها من المجالاتِ التي تتواجدُ فيها الحياةُ الرهبانيةُ في أبرشياتِنا، رسالةُ هذه الطوباويةِ لنا هي الصِدقُ الروحيُّ العميقُ اي اتحادُ الراهبِ والراهبةِ بالهدفِ الأساسيِّ، أي بمجدِ الله الذي له كرَّسَ الراهبُ والراهبةُ نفسَهما.

أوّلُ خدمةٍ تحتاجُ إليها في هذا الزمنِ كنائسُنا ومجتمعاتُنا على السواءِ هو أن نجعلَ الله حاضرًا بينَ الناسِ ونجعلَ حياةَ المؤمنين راسخةً متأصّلةً في هذا الحضورِ الإلهيَّ. هذا هو الخبزُ الذي يطلُبُه الأبناءُ اليوم، اللهُ نفسُه. يطلبون خبزَ الإيمانِ والقداسة، خبزَ الأصالةِ والصِّدقِ الذي يُظهِرُ في الراهبِ والراهبةِ وجهَ الله وحبَّه للناس. “أنتُنَّ اللواتي تعمَلْنَ في هذا الديرِ، تحرَّرْنَ من كلِّ شيءٍ على هذه الأرض. إنَّ حياتَكنَّ وخلاصَكنَّ عند أقدامِ مريم“.

هكذا يُسهِمُ الرهبانُ والراهباتُ في بناءِ الكنيسةِ والأبرشيةِ التي يعيشون تكريسَهم فيها، وفي بناءِ المجتمعِ البشريِّ في هذه الأرضِ التي هي في أمسِّ الحاجةِ إلى حضورِ الله، لتتغلَّبَ بقوةِ روحِه على الصعوباتِ التي يبدو أنْ ليسَ قوّةٌ بشريةٌ قادرةً على التغلُّبِ عليها.

حياةُ الراهبِ والراهبةِ تتحقَّقُ بمقدارِ ما يجعلان الله حاضرًا في حياةِ الناس، وبمقدارِ ما يشعران بحاجةِ الناس من حولِهم فيَمُدُّون يدَ العونِ لهم في البناءِ الصعبِ لحياتِهم.

وأما الأديارُ التأمليّةُ فيجبُ أن تكونَ بصورةٍ خاصّةٍ مَوقِدًا ومَوئِلا للمؤمنين ولكلِّ إنسانٍ يبحثُ عن الله، فتكونُ صلاةُ الرهبانِ والراهباتِ فيها غذاءً وسندًا مباشِرًا لهم، وتَبقى صلاتهُم شفاعةً قديرةً ولازمةً في كنائسِنا ومجتمعاتِنا.

وكما خرجَتْ مريم يسوع المصلوب من إحدى رعايانا لتصبحَ مؤسِّسةً لدير الكرمل في بيتَ لحم ولتعيشَ فيه حياتَها الرهبانية، ستخرجُ من جديدٍ نفوسٌ أخرى من رعايانا، إن شاءَ الله، ويكونُ خروجُها ثمرةً في الوقتِ نفسِه لنعمةِ الله ولصلاةِ الرهبانِ والراهباتِ في أديارِهم التأمليّة.

جاءَ في المخطَّطِ الرعويِّ: “التكريسُ الرهبانيُّ هو تكريسٌ لله في الكنيسةِ من أجلِ الجماعةِ المؤمنةِ والناسِ أجمعينإنه تكريسٌ لخدمةِ الله وكنيستِه المقدَّسةالتكريسُ الرهبانيُّ والالتزامُ الرعويُّ أمران يسيران معًا. يرجعُ العملُ الرسوليُّ والخيريُّ إلى طبيعةِ الحياةِ الرهبانيةِ نفسِهاومن ثَمَّ يجبُ أن تَشِعَّ حياةُ أعضائِها الرهبانيةِ كلُّها بالروحِ الرسولية، وأن يضطرمَ العملُ الرسوليُّ بالروحِ الرهبانيّة” (المخطط، ٢٠٠٠، ص ٧٧). فإذا ما انتعشَت الحياةُ الرهبانيةُ بتجدُّدٍ حقيقيٍّ أصبحَتْ مركزَ تجدُّدٍ في حياةِ الإيمانِ في أبرشيّاتِنا.

التجدد في كنائسنا

٧.           آمنَّا بيسوع المسيح منذ ألفَيْ سنة، وبَقِينا على هذا الإيمان، مع تقلُّباتِ الدهرِ ودَولةِ الدُّوَلِ والسلاطين. وإننا نحاولُ أن نعيشَ إيمانَنا اليومَ في ظروفٍ صعبة: عدمُ استقرارٍ سياسيّ، وعددٌ قليل، وتنوُّعٌ أو انقسامٌ في كنائسِنا، وتعدُّدٌ في الديانات. “المتغيِّراتُ بكلِّ أنواعِها تضعُ الكنيسةَ أمامَ تحدِّياتٍ كثيرة، وتدفعُها من القاعدةِ إلى القِمّة، على طَرحِ أسئلةٍ جديدةٍ ومُلِحَّةٍ على نحوٍ لم تَعهَدْه في الماضي، وذلك على الصعيدِ الدينيّ: كيف نحيا ونعيشُ إيمانَنا في هذا المجتمعِ المتغيِّر؟ ما العملُ لتنميةِ شخصيةٍ مسيحيةٍ قادرةٍ على  التعاملِ مع هذه المتغيِّرات؟وهل تتجاوبُ مؤسَّساتُنا الكنسيةُ مع تطوُّرِ المجتمعِ وحاجاتِ الجماعةِ المسيحيةِ ومتطلَّباتِ إيمانِنا؟ وكيف نواجهُ الانعكاساتِ السلبيةَ لهذه المتغيِّراتِ على حياةِ المؤمنين؟…” (المخطط ٢٠٠٠، ص ١٠).

كيف نعيشُ إيمانَنا اليوم؟ عاشَت مريم يسوع المصلوب في ظروفٍ سياسيةٍ واجتماعيةٍ وكنسيةٍ تختلفُ كلَّ الاختلافِ عن الظروفِ التي نعيشُها اليوم. ولكنَّ روحَها والنعمَ التي أنعمَ بها الله عليها تَصلُحُ لكلِّ مكانٍ وزمان. الراهبةُ البسيطة، وابنةُ إحدى رعايانا، كانَت تعيشُ مع الله، والله وهبَها نعمَه بغزارة. ببساطتِها كانَت ترى الله، وأنَّ كلَّ شيءٍ هو لله. وعليها ينطبقُ ما قالَه الإنجيلُ المقدَّس: “طُوبَى لِلأنقيَاءِ القُلُوبِ فَإنَّهُم يُشَاهِدُونَ الله” (متى ٥: ٨). ومِثلَها يجبُ أن تكونَ لنا قلوبٌ صافيةٌ طاهرةٌ لنبنيَ كنائسَنا، فتكونُ مكانَ شَرِكةٍ وصلاةٍ ولقاءٍ مع الله ومصالحةٍ في ما بيننا. إنَّ الأُطُرَ والهيكليَّاتِ البشرية، وإنْ كانَت لازمةً لعملِنا الرعوي، توشِكُ أحيانًا أن تكونَ عوائقَ دونَ رؤيةِ الله وبناءِ كنيستِه. الكنيسةُ هي بيتُ الله. فإذا ما صارَت بيتًا لأناسٍ قلوبُهم لا ترى اللهَ في كل جَهدٍ يُبذَلُ وفي كلِّ عَطاء، يَهجُرُ اللهُ الكنيسةَ شيئًا فشيئًا ويهجرُها الناس. إنَّ مجدَ الناسِ يُضعِفُ الكنيسة وأما مجدُ الله فيجعلُها كبيرةً ومخلَّصة.

التجدُّدُ في كنائسِنا يتطلَّبُ القلبَ الطاهرَ وبساطةَ مريم يسوع المصلوب. إننا نبذِلُ جهودًا كثيرة، ونتفانى ونكِدُّ ونتحمَّلُ المشقَّات.  إلا أنَّ هذا الجهادَ كلَّه بحاجةٍ إلى بساطةِ الطوباويةِ وقلبِها الصافي فيَقوَى ويتنقَّى، ويغدو إيمانُنا مِثلَ قطعةِ القِماشِ الجديدةِ (ر.لوقا ٥: ٣٦) التي تزيلُ ما هو قديمٌ بالٍ وتجعلُ كلَّ شيءٍ جديدًا.

على دربِ السلام الصعب

٨.    بدأ البابا يوحنا بولس الثاني عظتَه، يومَ التطويب عام ١٩٨٣، فربطَ الطوباويةَ مريم بالأحداثِ الجاريةِ في الأرضِ المقدَّسةِ اليوم. قال: “راهبةٌ كرملية، وُلِدَت على الأرضِ التي شهدَتْ حياةَ يسوع في الناصرة، الأرضِ التي ما زالَتْ حتى أيامِنا هذه سببَ همومٍ لنا كبيرةٍ ومركزَ نزاعاتٍ أليمة“. وأضافَ في سياقِ حديثِه: “إنّ خادمةَ المسيحِ المتواضعة، مريم يسوع المصلوب، تنتمي من حيث العِرقُ والطقسُ والدعوةُ وتنقّلاتهُا الكثيرةُ إلى شعوبِ الشرق، وهي اليوم ممثِّلةٌ لهم. وهي هبةٌ يقدِّمُها للكنيسةِ الجامعةِ هؤلاء الذين يعيشون في ظروفٍ أليمةٍ ما بينَ الصراعاتِ والدماء. وإنهم ليطلبون شفاعتَها الأخوية، وقلبُهم مُفعَمٌ بالثقة، آملين أن يستتِبَّ أخيرًا بفضلِ صلواتِها السلامُ والوفاقُ في تلك الأرضِ التي فيها صَارَ الكَلِمَةُ بَشَرًا” (يوحنا ١: ١٤)، هو الذي جاءَ ليكونَ صُلحَنا وسلامَنا“.

واليومَ أيضًا، لا يَسَعُنا أن نصلِّيَ إلى الطوباويةِ مريم يسوع المصلوب ولا نطلبَ شفاعتَها من أجلِ الوضعِ اللاإنسانيِّ الذي تعيشُه الأرضُ المقدَّسةُ حيث الكَلِمَةُ صَارَ بَشَرًا“. وماذا عساها أن تقولَ لنا في هذا؟ عاشَتْ هي في ظروفٍ سياسيةٍ مختلفةٍ كلَّ الاختلافِ عنّا، ولا سيما أنها عاشَت في زمنٍ لم يكُنْ فيه حدود، ونحن نعيشُ في زمنٍ تعدَّدَت فيه الحدود، بل أصبحَت الحدودُ حواجزَ عند مدخلِ كلَّ مدينةٍ وقريةٍ في قسمٍ من أبرشيّاتِنا اي في الأراضي الفلسطينية.

في حياتِنا الصعبةِ نسمعُ مريم يسوع المصلوب تقول: ” لا تخَفْ شيئًا، أيها القطيعُ الصغير. سيأتي يومُ الربِّ مثلَ الشمسِ عند الظهيرة. سيروا في الأرضِ غيرَ خائفين. إلهُ الرعدِ هو سَنَدُكم. لا تخَفْ شيئا، أيها القطيعُ الصغير. كُنْ صغيرًا ولا تخَفْ شيئا. لا الرعدُ ولا المطرُ ولا الجبالُ تستطيعُ أن تمَسَّ مَن اختارَهم الله…”. كونوا صغارًا فيحفظَكم الكبيرُ بقدرتِه وتكونوا معه كبارًا.

إننا نطلبُ من الطوباويةِ مريم أن تُبقِيَنا أقوياءَ في إيمانِنا، بعيدِين عن كلَّ خوف، في مواجهتِنا لحياتِنا اليوميةِ الصعبة. ستدُقُّ ساعةُ الله يومًا في هذه الأرضِ المقدَّسة، ساعةُ السلامِ والمصالحة. وسوف يُعِدُّ لها أسيادُ هذا العالمِ وسوف يخضعون لها عندما تأتي. “سيأتي يومُ الربِّ مثلَ الشمسِ عند الظهيرة“. نطلُبُ من الطوباويةِ مريم ان تمنحَنا نعمةَ الصبرِ والثبات، فنعرفُ كيف نواجهُ غيابَ السلامِ في حياتِنا، ونستمرُّ في تحمُّلِ مسؤولياتِنا في عائلاتِنا ورعايانا ومجتمعاتِنا.

إنّ الصراعَ في هذه المنطقةِ مرتبطٌ بسرِّ الله في أرضِنا. ومعاناةُ جميعِ سكّانِ هذه الأرضِ هي أيضًا جزءٌ من هذا السر. ومن ثَمَّ، نعملُ على الصعيدِ الإنسانيِّ لنكونَ صانِعِي سلامٍ وحقيقةٍ وعدلٍ ومحبّة، ويَبقى نظرُنا في الوقتِ نفسه محدِّقًا إلى ما وراءَ المخطَّطاتِ البشرية، حيث نرى الله سيدَ التاريخ، هو الذي أرادَ أن يجعلَ في هذه الأرضِ سُكنَاهُ بَينَ البَشَر” (مزمور ٧٧/٧٨: ٦٠). ومعه نتعاونُ لإعادةِ بنائِها لتصيرَ مكانَ مصالحةٍ لجميعِ سكّانِها. وبهذه الروحِ نَرى في كلا جهتَيْ الصراعِ رجالا ونساءً يحملون صورةَ الله وعلامةَ سرِّه في هذه الأرضِ المقدسة. وبهذه الرؤيةِ نعملُ من أجل أن يستتبَّ الأمنُ وتعودَ الحريةُ إلى العديدِ من أبنائِنا المؤمنين الذين ما زالوا محرومِين منها، كمِثلِ جميعِ سكانِ هذا الجزءِ من أبرشياتِنا في الأراضي المحتلّة.

           يتكلَّمُ المخطَّطُ الرعويُّ في  الفصلِ ١٤ عن إيمانِنا وشهادتِنا في الحياةِ العامة، ويبيِّنُ لنا المبادئَ التي يجبُ أن تُرشِدَ عملَنا في هذا المجال: “يتأسّسُ حضورُ المؤمنين في الحياةِ العامةِ والتزامُهم بها على رؤيةٍ إيمانيةٍ نشيرُ إلى بعضِ معالمِهما الأساسية: إنّ المسيحَ هو قلبُ حياتِنا ومَنبَعُ رؤيتِنا إلى الله وإلى أنفسِنا وإلى الآخَرِين وإلى الأشياءِ والأحداثِ وإلى الحياةِ في المجتمعومجدُ المسيحِ يجعلُ المسيحيَّ يؤمنُ  بأرضٍ جديدةٍ وسماءٍ جديدة” (ر. رؤيا ٢١: ١) ويعملُ في شتى مجالاتِ التاريخِ البشريّ، الذي يَئِنُّ إلَى اليَومِ مِن آلامِ المَخَاضِ مُنتَظِرًا بِفَارِغِ الصَّبرِ تَجَلِّيَ أبنَاءِ الله” (ر. روما ٨: ١٨).

نضعُ جهودَنا أمامَ الله، وفي عنايتِه الإلهيةِ نضعُ ثقتَنا. ونسيرُ في طريقِ التجرُّدِ والتعاونِ مع نعمةِ الله كما سارَت فيه حياةُ الطوباويةِ مريم يسوع المصلوب، لنواجِهَ تعقيداتِ حياتِنا اليوميةَ الصعبة.

الخاتمة

٩.    هتفَت الطوباويةُ مريم في يومٍ من أيامِ انخطافِها بالروحِ قالَت: “ما أسعدَ هذا النهار. ليتَه لا ينتهي. ماذا تقولون، يا سكّانَ الأرض؟كانَت الحياةُ لها سعيدة، لأنها كانَت تعيشُ مع الله: “اسمُكَ كبيرٌ يملأُ السماء.كلُّ شيءٍ يسبِّحُه، ويمتلئُ فرحًا في حضرتِه“. وقد أرادَت أن تُشرِكَ في فرحِها جميعَ سكّانِ الأرضِ ولكنّهم نائمون لا يبالون: “أماه، جميعُهم نائمون. الله كلُّه صلاح. الله الكبيرُ المستحقُّ كلَّ مديحٍ لقد نَسَوْه. لا أحدَ يفكِّرُ فيه. انظروا، الطبيعةُ تسبِّحُه. السماءُ والنجومُ والشجرُ والعشبُ وكلُّ شيءٍ يسبِّحُه، والإنسانُ الذي يعرفُ نعمَه والذي يجبُ أن يمدحَه نائمٌ لا يراه. هلمّوا نوقِظْ الكونَ من سباتِه“.

          تكلَّمْنا على حاجتِنا إلى تجدُّدٍ في الحياةِ الرهبانية، وفي حياةِ رعايانا. وتكلَّمنا على حاجتِنا إلى العدلِ والسلامِ والطمأنينة. في هذا كلِّه نطلبُ شفاعةَ الطوباويةِ مريم يسوع المصلوب. نسألُها أن تملأَنا بالفرحِ الذي ملأها، فنتمكَّنُ بقوّتِه من أن نجدِّدَ أديارَنا ورعايانا، وسيُجدِّدُ القديرُ بقدرتِه ورحمتِه أرضَنا فيجعلُها أرضًا مقدَّسةً لجميعِ سكّانِها، تتوقَّفُ فيها المخاصمةُ والدماء، وتكونُ فعلا أرضَ قداسةٍ نرى فيها حُبَّ الله لنا جميعًا، وفي هذا الحبِّ نلتقي إخوةً وأخَواتٍ في الفرحِ الذي يمنحُه الله لجميعِ من يحبّونه.

          في هذه الذكرى الخاصة، ذكرى المئةِ والخمسِ وعشرين سنةً لوفاةِ الطوباويةِ مريم يسوع المصلوب، نسألُها شفاعتَها حتى يمنَّ الله علينا بنعمةِ التجدّدِ التي نحتاجُ إليها. وحتى تصبحَ الحياةُ لنا أيضًا، بالرغمِ من صعابِها، نشيدَ فرحٍ ومحبَّة.

+البطريرك ميشيل صباح، بطريرك القدس للاتين

+ المطران جورج حداد، المدبر الرسولي لأبرشية عكا وحيفا والناصرة وسائر الجليل للروم الملكيين الكاثوليك

+ المطران جورج المر، مطران فيلادلفيا والبتراء والأردن للروم الملكيين

+ المطران بولس صياح، رئيس أساقفة حيفا والأراضي المقدسة، والنائب البطريركي العام في القدس والأراضي الفلسطينية والأردن للموارنة

+ المطران جورج خازوميان، النائب البطريركي العام في القدس والأراضي المقدسة والأردن للأرمن الكاثوليك

+ المطران بطرس ملكي، النائب البطريركي العام في القدس والأراضي المقدسة والأردن للسريان الكاثوليك

+ المطران سليم الصائغ، النائب البطريركي العام في الأردن للاتين

+ المطران بولس ماركوتسو، النائب البطريركي العام في إسرائيل للاتين

+ المطران كمال بطحيش النائب البطريركي العام في القدس للاتين

الأب جيوفاني باتيستلي، حارس الأراضي المقدسة

الأرشمندريت مطانيوس حداد، النائب البطريركي العام في القدس للروم الملكيين الكاثوليك.

مجلس رؤساء الكنائس الكاثوليكية في الأرض المقدسة ٢٩ أيلول ٢٠٠٣