الرسالة الراعويّة الثانيّة

لغبطة البطريرك ميشيل صباح

بطريرك اللاتين في القدس

في بهاء السلام

“اسألوا السلام لأورشليم”

(مزمور ١٢٢، ١)

بمناسبة عيد العنصرة ١٩٩٠

لماذا يا رب تحتجب وتقف بعيداً في آونة الضيق؟

قم أيها الرب الإله وارفع يدك ولا تنسَ البائسين

بل قد رأيت لأنك تبصر الضرر والكرب لتجازي بيدك، اليك يفوض البائس أمره واليتيم كنت أنت له ناصراً.

(مزمور ١٠، ١ و١٢ و١٤)

الى الكهنة والرهبان والراهبات

والى جميع أبنائنا الأعزاء،

والى جميع محبي الحقيقة والراغبين في ممارسة العدل حتى يروا بأعينهم السلام.

السلام لكم في المسيح يسوع، الذي صالحنا مع الله أبينا، ومع كل واحد من إخوتنا.

فما من أحد منا يحيا لنفسه وما من أحد يموت لنفسه. فإذا حيينا فللرب نحيا، وإذا متنا فللرب نموت. سواء حيينا ام متنا فإنّا للرب.” (روما ١٤، ٧٨).

لا نجد قولا أفضل من قول الرسول هذا، في هذا الزمن الذي نعيشه بين الموت وأعمال العنف. فأنا مع القديس بولس نرى وجه الرب في كل شيء، في الموت وفي الالام. ونحاول جاهدين أن نتبيّن مشيئته تعالى، من خلال المأساة التي نعيشها في تاريخنا.

في يوم العنصرة هذا، وفي هذه المدينة المقدسة، حيث تمت العنصرة، إذ نتأمل في محبّة الله التي أفيضت في قلوبنا، بالروح القدس الذي وهب لنا” (روما ٥، ٥)، نوجه إليكم، أيها الإخوة والأخوات، هذه الرسالة. فيها نريد أن نتأمل معكم في الصراع الذي نعاني منه جميعاً، منذ سنوات طوال، في هذه المدينة المقدسة وفي هذه الأرض المقدسة، موضوع اهتمامنا ومصدر إلهامنا.

مع آباء المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني نقول: “ان أفراح الناس في هذا الزمن وآمالهم وأحزانهم وقلقهم، ولا سيما الفقراء والمتألمين منهم، هي أيضاً أفراح تلاميذ المسيح وآمالهم وأحزانهم وقلقهم، وكل شأن من شؤون الناس له الصدى في قلوبهم” (الكنيسة في عالم اليوم، ١).

أيّها المؤمنون الأعزاء، انّا نرى أن ألمكم في هذا الصراع الكبير. ونريد أن نقول لكم ان ألمكم هو ألمنا ومعاناتكم هي معاناتنا. وإنكم لتنتظرون منا كلمة تشجيع وهداية. لقد تكلّمنا مراراً في هذا الموضوع، وها نحن في هذه الرسالة، نتابع حديثنا معكم، ونتابع مشاركتكم في المعاناة الشديدة التي تعيشونها. ولكن معكم أيضاً نريد أن نستوحي إيماننا، لنرى معاً ما يقوله لنا في هذا الوضع المأساوي الذي نعاني منه. ونوجّه إليكم هذه الرسالة لأننا نريد أن نقوم بواجبنا راعياً وإنساناً ومواطناً لهذه الأرض المقدسة.

اسألوا السلام لأورشليم… لأجل محبّة إخوتي ورفاقي أدعو لك بالسلام” (مزمور ١٢٢، ٦ و٨). “في بهاء السلام، هذا هو الشعار الذي بدأنا به خدمتنا الأسقفيّة، وسوف يبقى السلام هدفنا.

ان الذين يعيشون هذا الصراع مباشرة، هم أبناؤنا في المناطق المحتلة. إلا أن جميع المؤمنين، في جميع أجزاء الأبرشيّة، متأثرون به بطريقة أو بأخرى، ويشعرون أنهم متضامنون ومرتبطون إرتباطاً وثيقاً مع إخوتهم وأخواتهم في المحنة. فإلى الجميع نوجّه كلامنا، وندعوهم إلى مشاركتنا في هذا التأمل، إنطلاقاً من إيماننا الواحد. ونوجه كلامنا ايضاً إلى كل إنسان له صلة بهذا الصراع في الأرض المقدسة، أيّاً كان، ومهما كان انتماؤه الديني أو القومي.

١صراع وآلام

مأساة مفروضة

بدأ هذا الصراع بين الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي، منذ سنوات بعيدة. والكثيرون منكم ولدوا فيه. ومنذ رأوا النور فتحوا أعينهم على المأساة التي فرضت على آبائهم. فوجدوا أنفسهم، وقد زجّ بهم في المأساة بلا رحمة، منذ بداية حياتهم. وما زال الوضع يسوء يوماً بعد يوم.

المعاناة اليوميّة

معكم أيها الأخوة والأخوات نعيش هذه المأساة. لقد صلّينا من أجل الموتى الذين ما زالوا يتساقطون في كل يوم. وحاولنا أن نوجه كلمة عزاء ومشاركة إلى الجرحى والمعوقين للحياة. وددنا لو أتيح لنا أن نزور السجناء والموقوفين الداريين. واستمعنا إلى روايات المعذبين، وما زلنا نتألم مع الذين ما زالوا يعذّبون. وانا لنتألم كذلك مع الذين يرغمون على تنفيذ مثل هذه الأوامر، وهم يشعرون غالباً بمعارضة ضميرهم وإرادتهم. ولا يسعنا إلا أن نأسف للجرح الذي يحدثه ذلك في نفوسهم، والذي سوف يترك فيها أثراً باقياً.

ورأينا المبعدين عن وطنهم وذويهم، والبيوت المشموعة أو المهدمة، والعائلات التي أصبحت بلا مأوى.

العقوبات الاقتصاديّة

وما زالت العقوبات الاقتصاديّة تزيد الحياة مشقة: وضع اليد على مصدر المياه، ومصادرة الأراضي، وقلع الأشجار، وإتلاف المزروعات، والقيود المفروضة على الأسواق، والضرائب الباهظة.

في مجال التربية

وشملت المعاناة بصورة خاصة مجال التربية أيضاً. فأغلقت المدارس مدّة طويلة. وما زالت عمليّة التعليم في وضع مضطرب. والجامعات ما زالت مغلقة منذ ثلاث سنوات تقريباً. وفي هذا الإغلاق نتائج خطيرة ووخيمة لمستقبل الآلاف من الشباب، الذين منعوا من متابعة دراساتهم بإنتظام، ولمستقبل المجتمع الفلسطيني الآخذ بالتكوين، والمحتاج إلى جميع طاقات أبنائه العلميّة والأدبيّة، ليتابع نموه وتنظيم نفسه.

مخيمات اللاجئين

ومعكم نمر ونشاهد المخيمات العديدة. نراها وقد تحولت إلى أقفاص بشريّة، يحيط بها الأسلاك الشائكة والحرس. وكل مخيم هو في حد ذاته نداء مستمر للعدل والحريّة والكرامة، وبقاؤه شهادة لإرادة شعب صمم أن يبقى، وأن يحتل مكانه بين شعوب الأرض.

٢نتائج هذه المعاناة

إن للوضع الراهن نتائج سلبيّة وإيجابيّة متعددة، قد لا تكون ظاهرة الآن، ولكنها حقيقيّة وعميقة. وهي من الخطورة بمكان إذ أن الصراع القائم أصبح عاملاً رئيساً في صياغة وتكوين الأجيال الصاعدة.

انعكاسات الوضع على الفلسطينييّن

النتائج السلبيّة:

تدمير البنية الاجتماعيّة

ومن هذه النتائج السلبيّة، تدمير البنيّة الاجتماعيّة، بتدمير تدريجي للبنى التحتيّة الاقتصاديّة والزراعيّة والتربويّة. ويزيد الوضع خطورة غياب حياة سياسيّة منتظمة يمكنها أن تعمل في وضح النهار. ومن جهة أخرى فإن غياب سلطة تشريعيّة وقضائيّة وتنفيذيّة، مجسمة في مؤسسات ظاهرة، يحترمها الشعب، يؤدي حتماً إلى تصفيات مؤسفة في الخفاء.

ونتيجة لتمرد الشبيبة على السلطة القائمة، ولثورتها العارمة على جميع الأطر الإجتماعيّة التي أدت بها ثم أبقتها في مأساة الاحتلال العسكري، فإنا نراها تزداد تمرداً على جميع أشكال السلطة، سواء ذلك في المدرسة أم في الأسرة.

تصلّب في نفوس الأطفال

وأن أعمال العنف والآلام والإذلال التي يشهدها أو يخضع لها الأطفال أنفسهم، أو اخوتهم وأهلهم تطبع في أنفسهم الغبطة آثاراً نفسيّة ومعنويّة مدمرة، تولّد الحقد والتعطّش للانتقام أو الخوف أو اليأس من كل عدالة بشريّة. وكلّها طرق تؤدي إلى الغاية نفسها، وإن اختلفت في ظاهرها، إلا وهي تغذية دائرة العنف الجهنميّة واللاإنسانية.

تطرف في مواقف الكبار

ونرى من جهة أخرى تطرفاً في مواقف الكبار، ناجماً من الإحباط نفسه إزاء التصلبات الأيديولوجيّة والمواقف السياسيّة المتشددة، التي تحول دون أي تقدّم في مسيرة السلام.

رقابة الصحافة

وتزيد رقابة الصحافة من جهتها هذا التشدد، إذ تحول دون إظهار حقائق قد تكون مفيدة في التوجه نحو السلام.

استغلال المشاعر الدينيّة

ولا بد من شجب استغلال المشاعر الدينيّة لخلق النعرات، وهو اعتداء على أقدس ما في صميم الإنسان والمجتمع البشري. وإنما يهدف هذا الاستغلال إلى دك أسس الأمانة للوطن، والى تفويت كل فرصة للسلام، من خلال الصراعات الأخويّة والمواقف المتطرفة.

الهجرة

ومن أخطر النتائج الناجمة عن هذا الوضع المتردي، هو ازدياد الهجرة وتسارعها، وبالتالي حرمان المجتمع الفلسطيني والكنيسة المحليّة من الكثير من قواها الحيويّة. وقد سبق أن نبهنا في رسالة الصوم لهذا العام، للنتائج السلبية الناجمة عن الهجرة، للكنيسة والوطن على السواء. وقلنا أن الأيام الصعبة ليست أيام هرب، بل في الأيام الصعبة يصمد الاخوة ليشدوا أزر بعضهم البعض. وأن العيش في الأرض المقدسة هو في الوقت نفسه نعمة منه تعالى ودعوة خاصة، وهي دعوة إلى الحياة الصعبة. فلا بد من العمل على فهم هذه النعمة المعطاة لنا، ولا بد من أن نقبل بشجاعة الدعوة والرسالة التي تتضمنها.

ويرى الفلسطينيون أن جميع هذه النتائج السلبيّة تحيط بهم إحاطة خانقة، ومثل كماشة قد أحكمت قبضتها حولهم، فلم تترك لهم خياراً: فاما الإفلات من هذه القبضة وأما الخضوع لنظام لا يقبل به المحتل نفسه لنفسه في أي حال من الأحوال.

النتائج الإيجابيّة:

يقظة شعب

وكان لهذه الآلام نتائج إيجابية ايضاً. فقد تجلت إرادة شعب يتطلع الى تحمل مسؤوليّاته. وبرزت شبيبة تنبهت لدورها في بناء السلام والوطن. وبالرغم من بعض عناصر الفوضى المؤسفة التي لا يمكن تجنبها في مثل هذه الأوضاع، فإننا نلاحظ النظام والتضامن اللذين تولّدا في هذه الآلام في جميع صفوف الشعب. ففي أيام منع التجول، وفي أيام الإضراب، وفي الحياة اليوميّة، ولا سيما في المعاناة المشتركة في السجون، في الصيف وفي الشتاء، ظهرت وتوطدت عرى اخوة جديدة وقديمة في الوقت نفسه.

يقظة دينيّة

ومن الثمار الايجابيّة ايضاً، يقظة دينيّة ظهرت في اللجوء إلى الإيمان، مصدراً لتجديد القوى ولتجديد الأمانة للوطن ولقيم السلام والعدل. ورأينا ايضاً بداية تفكير مسيحي حول دور المسيحي والعلماني والكنيسة المحليّة بأجمعها. وسمعنا النداءات المتعددة الموجهة إلينا، لمساعدة الفكر، والإسهام فيه بإلقاء بعض الإضاءة في سبيل تنضيج الإيمان في مثل هذه الظروف.

تقارب وأخوة

ونمت في هذا الصراع اخوة وتقارب بين رؤساء الكنائس في المدينة المقدسة، وقد رحب المؤمنون بهذا التقارب، اذ انهم يشعرون منذ زمن طويل بالحاجة إلى توطيد القوى أمام القضايا الحقيقيّة في حياة الشعب، وبضرورة التعامل معها، كتعامل السيد المسيح نفسه لو واجهها.

ونما كذلك تضامن مسيحي إسلامي قوّى الأواصر بين المواطنين والتفاهم المتبادل، إذ يشارك الجميع في خدمة المجتمع نفسه والوطن نفسه، انطلاقاً من القيم الروحيّة نفسها، وفي أمانة كل مؤمن لإيمانه وعقيدته ومتطلباتها.

وفي المجتمع الإسرائيلي، ظهرت حركات للسلام. فبدأ تقارب شجاع مع العناصر اليهوديّة ذات الإرادة الصالحة، والتي تحاول أن تتجاوز المواقف التقليديّة، مواقف الخوف والعنف والاعتداء، عاملة بصدق في سبيل العدل والسلام.

ولادة شعب

وإنا لنرى أخيراً، بين النتائج الإيجابية لهذه المعاناة، ولاة أمة وشعب يستفيق في وسط الواقع القاسي الذي عليه أن يواجهه، وهو مصمم على أن يستخرج من محنته سلاماً عادلاً، ينعم به هو وخصمه. وهناك أكثر من ولادة، فهو شعب أدرك قوّته وبات يرى بوضوح القوى السلبيّة التي تحاول أن تحد من نموّه ومن ممارسة حقوقه ومسؤوليّاته، فقرر أن يتحرر منها.

هي مرحلة حاسمة في حياة شعب يبحث عن الاعتراف بدولته، مطالباً بالحريّة وبحق اختيار نظامه السياسي وبحق إنتخاب قادته.

إرادة السلام والعدل

ولقد ولدت أيضاً بين الفلسطينيين في هذه المعاناة رغبة في تحقيق السلام والعدل لهم أنفسهم ولخصمهم. فما زلنا نسمع، في هذه الأيام، من الأفراد ومن المسؤولين، تعبيراً صريحاً عن الرغبة في تحقيق السلام العادل والتعايش مع الخصم. ولعل هذا هو أهم عنصر ايجابي ولد في الانتفاضة، فجعل الحديث عن السلام امراً ممكناً.

فإن شعوراً حاداً بالظلم ورؤية أكثر دقة ووضوحاً للظالم، ولّد رؤية إنسانيّة وموضوعيّة للخصم وللسلام الذي يجب بناؤه معه.

ولإرادة السلام هذه يجب أن نشهد. من واجبنا ومن واجب كل إنسان ذي إرادة صالحة أن يشهد لرسالة السلام هذه التي يقدمها الفلسطينيّون.

انعكاسات الوضع على الاسرائليّين

النتائج السلبيّة:

بعد أن فرَّ الشعب اليهودي من الاضطهادات، ومن الموت الذي لاقاه في الغرب، لجأ الى هذه البلاد بين أبناء الشعب الفلسطيني. ولكنه ما زال حتى اليوم يعاني من الخوف نفسه في سبيل البقاء والخوف هو الذي يملي غالباً مواقفه العمليّة.

وقد تسبب الاسرائيليّون لأنفسهم، في مقاومتهم للانتفاضة، بخسارة معنويّة وإنسانيّة، وذلك على مستوى الضمير الفردي والجماعي. ومع أن القسم الأكبر من المجتمع الإسرائيلي ما زال غير قادر على رؤية الواقع وعلى فهم المعنى الصحيح للبطش الإسرائيلي العسكري ولرفض الحوار مع الفلسطينيّين، فهناك عدد متزايد بينهم أخذ يشعر بالجرح في النفس، وبأنه مستعمر لشعب آخر، ويؤلمه أن يعرض على العالم اناساً يضربون ويعذّبون ويقتلون اناساً آخرين، لأنهم يطلبون حريّتهم وحقوقهم. فالشعب منقسم بين رؤيتين للأمور، وفي ضميره انفصام يولد الأيديولوجيات المتعارضة التي تصيب بالشلل كل تحرك نحو السلام. وإنا لنرى نصيبه من الآلام.  ففي صفوفه أيضاً الضحايا والجرحى، وجرحهم في الجسم وفي القلب وفي الضمير.

مأساة الجندي الاسرائيلي

٢٥. ونحن نرى ونعيش مأساة الجندي الاسرائيلي اذ نرى أنه ليس فقط جندياً مأموراً بأعمال العنف، وإنما هو أيضاً وإنما أب أو أخ أو زوج، يطلب منه أن يعتاد القتل والظلم والاعتداء على كرامة أخيه الفلسطيني.

النتائج الايجابيّة:

حركات السلام

٢٦. إلى جانب الاتجاه المتشدد والمتطرف الرافض لكل حوار في سبيل السلام والذي يرى إخماد كل طلب فلسطيني بالعنف، نرى ولادة تحركات مختلفة بين الإسرائيليين في سبيل السلام. فقد أخذت أصوات عديدة بين الإسرائيليين ترتفع لتندد بما يجري. وما زالت أقليّة ولا أثر لها على السياسة العامة، إلا أنها تعبّر عن تضامن مع الفلسطينيين، وعن ثقتها بالسلام الذي يعرضونه على الإسرائيليين.

كما أن هناك عدداً متزايداً بين يهود العالم أخذ يرى أيضاً البعد الحقيقي للصراع وأخذ يعمل في سبيل حل عادل على أساس المساواة بين الشعبين.

الفلسطينيّون والاسرائيليون

يخضع الفلسطينيّون لاحتلال عسكري إسرائيلي منذ أكثر من ٢٢ سنة. والآن هم يطالبون بحقوقهم وحريّتهم واستقلالهم مثل كل كائن بشري ومثل سائر شعوب الأرض.

والإسرائيليون من جهتهم يبحثون عن الأمان والتحرر من الخوف، وعن ضمانات للمستقبل، ويحسبون أن بقاء الاحتلال هو هذا الضمان للتحرر. فيواجهون المطالبات الفلسطينيّة بالرفض والعنف.

في جهتي الصراع أناس خلقهم إله وأحبهم على السواء. هذه هي الرؤية الإنسانية والإلهية التي تلهم كلامنا. الإنسان في جهتي الصراع يتألم وهو بحاجة الى خلاص: الفلسطيني حتى ينال استقلاله وحريّته، والإسرائيلي ليتحرر من الخوف ويضمن طمأنينته وبقاءه.

ولا بد من الإشادة بالموقف الإيجابي المتولد هنا وهناك، مقاوماً تجربة طبيعته لدى كل واحد، تقوم برسم أقبح الصور للخصم، مكونة من عيوبه الحقيقيّة أو المفروضة، فتمنع رؤية أية إيجابيات فيه. وفي الواقع إذا ما أصر الخصم على الاعتقاد أن حريّته تعارض حتماً حريّة الآخر، فإن هذا الموقف يبعث على اليأس من كل خير في البشريّة. إن الطريق إلى الحريّة هي حريّة الآخر، فالحرية لا تنقض الحرية بل تكملها. ولهذا لا بد من أن يرى كل طرف الفرح والخصب والمستقبل في لقاء إنساني حقيقي، يجمع بينهما، ويعترف فيه كل واحد اعترافاً كاملاً بنفسه وبالآخر، وبه يحقق كل طرف ذاته وذات الآخر.

٣عبر التاريخ

٢٨. جذور الصراع بعيدة في التاريخ. وللتاريخ قراءات وتفسيرات مختلفة ومتضاربة. وقد غذت مشاعر إيجابيّة في حد ذاتها وهي مشاعر الولاء للوطن والأمانة للقيم، أثارت في الوقت نفسه أعمال العنف، ناقضة قيم السلام واعدل، التي يبحث عنها الطرفان.

الفلسطينيون

٢٩. فالشعب الفلسطيني يرى اليوم، أن تاريخه نفسه أصبح موضوع مصادرة. وأنه محظور عليه أن يعبر عنه كما يراه وكما يفهمه. ورأى العالم يقول عنه أنه إرهابي، فجرده من كل صلاحيّة، ورضي لهذا السبب بتجريده من حقوقه.

وقد عاش الشعب الفلسطيني دائماً، المسيحي والمسلم على السواء، في هذه الأرض. فلسطين وطنه وتراثه السياسي والثقافي ولا يريد غيره وطناً وتراثاً.

ولهذا فقد رأى في هجرة اليهود المتزايدة إلى فلسطين، في النصف الأول من القرن العشرين، تهديداً متزايداً له في عقر داره، تهديداً لوجوده ولهويّته واستقلاله. فحاول جهده مقاومة هذه الأكثريّة القادمة من الخارج والتي لن تترك له خياراً إذا تكونت، سوى الخضوع أو الرحيل. ولقد ظهر له أن الحكومات الغربية كان لها غالباً ضلع في هذه القضيّة. واتخذت المقاومة الفلسطينيّة الوطنية جميع الطرق الممكنة مثل التوعية السياسيّة والاتصالات الدوليّة والعمل المسلح.

الإسرائيليون

٣٠. ويرى الشعب اليهودي في هذه الأرض نفسها أرضه المقدسة وهي أرض الآباء والأنبياء، وعدهم الله بها ليبارك بهم جميع شعوب الأرض. وقد تشتتوا في العالم وقاسوا الكثير من جراء التفرقة العنصريّة ومن الاضطهادات التي تعرضوا لها. وقد بلغ الاضطهاد أوجه مع النظام النازي الذي قرر إبادة الشعب اليهودي. وتبقى هذه الجريمة في حق الإنسانية جرحاً نازفاً غير ملتئم في تاريخ القرن العشرين، وهي عبرة تصلح لكل زمان تحذر من الشر الكامن في قلب الإنسان ومن إمكانات الشر التي يمكن أن تنمو وتتقوى ضمن كل جماعة بشريّة وضمن كل أيديولوجية تبتعد عن حقيقة الإنسان وعن مصدره الإلهي.

وقد أرادت الصهيونيّة أن تخلص الشعب اليهودي من هذه التهديدات بإيجاد كيان مستقل له في فلسطين. إلا أن تحقيق هذه الرؤية القوميّة اصطدم مع تطلعات الشعب الفلسطيني صاحب الأرض نفسها.

المواجهات المسلحة

٣١. وبدأت المواجهات وأعمال العنف، منذ العشرينات من هذا القرن. ولما تفاقم الوضع وأخذت فرص الحل السلمي بالتضاؤل حتى باتت شبه مستحيلة، تخلّت بريطانيا العظمى عن حكم فلسطين. وعام ١٩٤٧ أصدرت هيئة الأمم قراراً يقضي بتقسيم فلسطين إلى دولة فلسطينيّة ودولة يهوديّة وتبقى القدس منطقة دوليّة. ورفض الفلسطينيون آنذاك هذا القرار، إذ رفضوا أن تبت الأسرة الدوليّة في مصير بلادهم، من دون موافقتهم، وهم الأكثرية الساحقة، وأن تعطي أكثر من نصفها لأقليّة حديثة العهد في البلاد.

وتلا ذلك مواجهات مسلحة نجم عنها استيلاء دولة إسرائيل المنشأة حديثاً (١٩٤٨) على نحو ٧٧٪ من فلسطين.

حرب عام ١٩٦٩

٣٢. ثم تلا ذلك حالة لا سلم ولا حرب وقعت فيها صدامات متعددة. أهمها حرب ١٩٦٧ حيث احتلت القوات الإسرائيلية القسم الباقي من فلسطين، محدثة بذلك تغييرات جذريّة في الوضع القائم.

نظام الاحتلال العسكري

٣٣. وأخذ الكبت بالازدياد في المناطق المحتلة وفي غزة. فرأى الفلسطينيون أوضاعهم تزداد سوءا يوما بعد يوم: بسبب مصادرة الأراضي، ووضع اليد على مصادر المياه، وبناء المستوطنات، والأحكام بالإبعاد أو بالسجن، وإقالة رؤساء البلديات. وفرضت الحدود والمضايقات على التنقلات ومشاريع البناء والاقتصاد. كل هذا جعل الفلسطينيين يشعرون أنهم على هامش الحياة العامة وأنهم غرباء ومظلومون في أرضهم.

الانتفاضة

٣٤. واذا لم تنفع الاحتجاجات والنداءات الموجهة إلى الأسرة الدوليّة والإقليمية، ولم تجد جواباً شافياً، تكوّن شيئاً فشيئاً وضع متفجر أدى بصورة طبيعيّة إلى الانتفاضة في كانون الأول ١٩٨٧. فكانت هذه صرخة احتجاج، لتقول أن الوضع بات لا يطاق وأن الإذلال غير جائز، وأنه لا يجوز أن يستمر الاحتلال وأن الوضع كلّه بحاجة إلى علاج. وهي لغة عبّر بها الشعب عما في النفس، مطالباً بالعدل والحريّة جاره وأخاه الإسرائيلي الذي أصبح محتلاً وظالماً له. ويقول الفلسطينيّون أنهم لن يرضوا بحكم ذاتي وهمي، ولا بحكم يخضعهم لشعب آخر، فيكونون شبه رديف له أو مصدراً لليد العاملة لسوق عملهم.

تاريخان وشعبان ومستقبل مشترك

٣٥. أرض فلسطين إذن أرض واحدة وفيها اليوم شعبان وتاريخان، ووحضارتان تتواجهان، وحساسيات وأيديولوجيات كثيرة ومواقف متعددة. وهناك بين الشعبين اختلاف جوهري، إذ توصل أحدهما إلى إنشاء الدولة الإسرائيلية، وما زال الشعب الفلسطيني يواصل الجهود لإنشاء دولته.

والخطر يكمن في إنغلاق الطرفين كل دون الآخر، وفي تصلّب يرفض الاعتراف بالآخر فيؤدي إلى مأزق لا مخرج منه. وقد تبنّت منظمة التحرير الفلسطينيّة باسم الفلسطينيين في مؤتمر الجزائر في نوفمبر ١٩٨٨ موقف الحوار والاعتراف بالآخر، أعني بدولة إسرائيل، وما زالوا ينتظرون الرد الإسرائيلي على اليد الفلسطينيّة الممدودة للسلام.

ويبدأ كل حق بصرخة المولود الجديد وبدعاء الأرملة واليتيم والمظلوم. وهذه الصرخة وهذا الدعاء يبحثان عن جواب فيه إنسانيّة وفيه حقيقة. ففي سبيل هذه الحقيقة، المؤسسة على طبيعة الانسان نفسه، كلّنا مدعوون لبناء المستقبل معاً، ولإيجاد لغة مشتركة تمكننا من التفهم المتبادل للمشاعر والأفكار، ومن تحديد الخيارات واتخاذ القرارات، وتسجيل المعاهدات البناءة في التاريخ.

٤مبادئ للحل

المسيحيّون في الصراع

٣٦. في هذا الصراع وفي كلا الجانبين، يوجد مسيحيّون أيضاً. جميع المناطق المحتلة هي قسم من الأبرشيّة ومن همومنا وقلقنا وجهودنا المتواضعة لبناء الإيمان بالله وبالإنسان، الذي يثمر العدل والسلام.

ولهذا الحضور المسيحي، في قلة عدده فهو القطيع الصغير، رمزيّته ومعناه الخاص.

والمبادئ التي يمكن أن نقدمها للحل إنما هي المبادئ التي نجدها في الكتاب المقدس وفي تعاليم الكنيسة. فكلاهما مصدر تفكيرنا ورؤيتنا المسيحيّة للوضع الذي نعيشه. وهذه المبادئ هي: المحبة والحقيقة والعدل الذي يولد الحريّة، وكرامة الفقير والمظلوم، والتعاون مع الآخر.

المحبة طريق العدل

٣٧. المحبة هي الطريق إلى العدل. وهي الأولى. قال السيد المسيح: “أحبوا أعداءكم وصلوا من أجل مضطهديكم لتصيروا بني أبيكم الذي في السماوات” (متى ٥، ٤٣). ففي المحبة الحقيقية والصادقة يرى كل واحد نفسه وخصمه متسامياً فوق العداوة والصراع، أخاً لكونه ابناً لله. وهي هذه المحبة التي تدفع العدو والمضطهد إلى الحوار الذي يبني العدل.

الحق يحرركم

٣٨. قال السيد المسيح: “الحق يحرركم” (يوحنا ٨، ٣٢). فمعرفة الحقيقة مطلب أساسي لكل حل. ومعرفة الحقيقة وقبولها يتطلبان ترفعاً وزهدا وإيمانا بالله. ولهذا فان السيد المسيح يقول ايضاً: ان روح الله هو الذي يرشدنا إلى الحق كلّه” (يوحنا ١٦، ١٣) وهو وحده الذي ينضج كل ضمير وينيره بالحقيقة: “حيث يكون روح الرب تكون الحريّة” (٢ كور ٣، ١٧). وإذا امتلأ المؤمن بروح الرب أصبح قادراً على احترام كل كرامة بشريّة، وكان الروح فيه منطلقاً لكل شجاعة وجرأة وتضحية.

كرامة الفقير والمظلوم

٣٩. “لقد بيّن الإنجيل لكل إنسان أنه كائن حر من ثم مدعو إلى بلوغ الوحدة مع الله سبحانه، فأحدث بهذا البيان يقظة في أعماق الحريّة الإنسانية وإدراكاً  لأبعاد لم يكن متنبهاً لها من قبل.” (مجمع تعليم الإيمان: الحرية المسيحيّة والتحرر، ٥) فيجب أن يعلم الفقراء والمظلومون والصغار، أنهم موضوع حب الله اللامتناهي وموضوع اهتمام الكنيسة. وكل واحد منهم يمكنه أن يقول: “أنا حي بالإيمان بابن الله الذي أحبني وضحى بنفسه من أجلي” (غلاطية ٢، ٢٠). وهذه الكرامة الناجمة عن محبّة الله سبحانه وتعالى لهم، لا يستطيع أي كبير في العالم أن ينتزعها منهم.

بالتعاون تستقيم الإرادة

٤٠. “إن كل إنسان موجه من طبعه إلى سائر الناس وفي نفسه حاجة للتعايش معهم. ولا يستطيع ان يخلق في ذاته ارادة مستقيمة إلا إذا سعى إلى التوفيق بين إرادته وإرادة الآخرين في سبيل ما هو خير حقاً. فهو التمشي حقاً مع متطلبات الطبيعة البشرية الذي يضفي على الإرادة نفسها صيغة الانسانيّة. وهذا يعني أن التعامل مع إرادة الآخر يجب أن يقوم على أساس الحقيقة والعدل. فالحقيقة والعدل هما مقياس الحريّة الحقيقيّة. وإذا ما أبعد الإنسان عن هذا الأساس، ووضع نفسه في موضع الله، فإنه يقع في الكذب. وبدلاً من أن يحقق ذاته فإنه يدمرها. الحريّة لا تتحقق بإكتفاء ذاتي مطلق، وبغياب جميع العلاقات بل تقوم على العكس بالعلاقات المتبادلة التي تربط بين الأفراد، مسترشدة بالحقيقة والعدل. وحتى تصبح هذه العلاقات ممكنة، يجب أن يكون كل واحد صادقاً وقابلاً للحقيقة“. (المرجع نفسه، ٢٦).

الحقيقة والعدل مقياس الحرية

٤١.  الحقيقة والعدل هما مقياس الحرية، وهما أيضاً الأساس الوحيد لسلام ثابت ونهائي. ومن معطيات الحقيقة والعدل أن تحقيق الحرية ونموها الكامل حق وواجب لكل فرد ولكل شعب وعلى المجتمع والسلطة المعنية فيه، أن تساعد هذا النمو الكامل للفرد وللشعب، لأن تضع أمامه العراقيل.

موقف الكنيسة ونداءات البابوات

٤٢.  ما انفكت الكنيسة الكاثوليكية منذ بداية الصراع تبرز وتتبع خط العدل والمساواة بين الشعبين المتخاصمين. وما انفك البابوات ينادون بالاعتراف والقبول المتبادل، وبالمساواة في الحقوق من حيث الوطن والأمان وتقرير المصير ووقف العنف واللجوء إلى الحوار. وما زالوا يبذلون المساعي ويتطلعون باهتمام بالغ إلى اليوم الذي يحل فيه السلام الدائم بين الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي، على أسس الحقيقة والعدل.

تصريحات رؤساء الكنائس المسيحية

٤٣.  ومع أخوتنا رؤساء الطوائف المسيحية في المدينة المقدسة، عبرنا عن مشاركتنا مع جميع المتألمين، وأعربنا أكثر من مرة عن أسفنا لإستخدام العنف أياً كان، ونادينا باللجوء إلى الحوار.

القيم الدينية المشتركة

٤٤.  جميع الديانات ذات العلاقة بهذا الصراع، وهي الإسلام واليهودية والمسيحية، تعترف بقيم مشتركة يمكنها أن تكون هي أيضاً، بل يجب أن تكون هي القاعدة لإيجاد الحلول.

أولاً خلق الله الإنسان على صورته ومثاله، حرا سيد نفسه  ومصيره. هذا هو أساس كرامته وحقه على تقرير مصيره بحرية. ولهذا يجب أن يتسم التعامل معه فردا أو جماعة بالاحترام.

ثانياً أن عدل الله وعفوه، هما من القيم التي تنادي بها جميع الكتب المقدسة. فكل مؤمن على صلة بهذا الصراع، مدعو لاتخاذ العفو والمصالحة طريقاً إلى العدل وإحقاق جميع الحقوق. المؤمن المطالب بالعدل لنفسه يطالب بالعدل لقريبه أيضاً، وإذ يرى العفو الذي يحتاج إليه هو نفسه، يجب أن يكون مستعدا ليعفو عن قريبه. هكذا علمنا الرب أن نصلّي فنطلب مغفرة خطايانا بقدر ما نغفر نحن لكل من أخطأ إلينا (متى ٦،١٢).

ثالثا أن القيم الشرقية التقليدية، قيم الضيافة وإيواء الغريب، وكل ما في الشرق من كرم في الأخلاق، يجب أن يساعد على أنسنة هذا الصراع، الذي ما زال يتخذ صوراً أكثر وحشيّة يوماً بعد يوم. وان هذا الوجه للروح الشرقيّة يجب أن يرشد المعنيين والمسؤولين في الالتزام بالعدل، وفي إعادة الحق إلى نصابه. وإنا لنشهد في كل يوم بعض الدلائل التي تشير إلى هذه السمة الانسانيّة، وإنا لنرى فيها ضمانا لحسن الجوار في المستقبل، حيث ينعم كل واحد بحقوقه ويحترم حقوق الآخر، إلا أننا نشهد في الوقت نفسه تشدداً متزايداً في هذا الصراع المستديم، حيث لا يرى كل طرف في خصمه إلا أسوأ ما فيه، نابذاً بذلك جميع القيم التي كانت، في هذا الشرق، مجد الديانة والحضارة والتاريخ.

سر مشيئة الله

٤٥.  وأخيراً فإن كل فرد بشري وكل شعب يحمل في ذاته وعبر تاريخه سر مشيئة الله. وهنا أيضاً  يدعى المؤمن للسمو فوق الشر الكامن في نفسه، وفوق بنية الخطيئة في التاريخ البشري، ليرى، في ذاته وفي خصمه، سر الله ومشيئته فيه.

فنحن نوجه نداءنا إلى كلا الطرفين، للاعتراف المتبادل بوجود الآخر، وبحقوقه وبمشيئة الله عليه، انطلاقاً من الحقوق التي يطالب بها كل واحد لنفسه، ومن الحرية التي يريدها لنفسه، والتي هي مشاركة في حريّة الله، الذي تجلى بكلمته للناس وتجلى لهم أباً وخالقاً للجميع. فليعترف كل واحد بالآخر بقدر ما يريد ان يعترف به الآخر. قال السيد المسيح: “كل ما أردتم ان يفعله الآخرون بكم فافعلوه أنتم لهم” (متى ٧، ١٢).

حلول ممكنة

الحوار بين الخصمين

٤٦.  أول خطوة للحل هو الحوار ووقف كل عنف. والحوار المباشر بين الخصمين، وحيث يختار كل خصم ممثليه. لأنه إن كان الصديق خياراً بيد الانسانيّة، فالخصم ليس خياراً بل فرض وواقع يجب التعامل معه. والخصمان المتواجهان في هذه القضيّة هما: دولة إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينيّة.

وان الحجم والبعد الدولي والعربي والديني للقضية يفترض حضور الجماعة الدوليّة والعربيّة في الحوار بين الخصمين. ويجب ان يكون هدف الحوار انشاء سلام عادل ونهائي وليس حلا مؤقتاً يتضمن نوايا خفيّة تنقض السلام.

الاعتراف المتبادل والمساواة

٤٧. وحل الصراع يفترض الاعتراف المتبادل والمساواة بين الخصمين إذ كلاهما إنسان مشارك في الطبيعة الانسانيّة نفسها، سواء كانا أفراداً أم شعوباً. وعلى هذا الأساس تفرض المساواة السياسيّة بين كلا الطرفين في كافة الحقوق والواجبات.

قبول الشرق

٤٨. كل حل يفترض كذلك اندماج الطرفين في مصير هذا الجزء من العالم الذي هو الشرق الأدنى، وقبول سماته ومميزاته واحترامها. فهو شرق أولاً وله قيمه وتقاليده. ثم هو، مع بقائه شرقاً، مكان لقاء بين الغرب والشرق، ومكان حوار بين الحضارات والشعوب والأديان.

مكانة القدس

٤٩. في هذا الصراع تحتل القدس مكانة مركزيّة، من حيث معناها وأهميّتها للديانات الموحدة الثلاث، الإسلاميّة واليهوديّة والمسيحيّة. ففي كل حل، لا بد من الأخذ بعين الاعتبار، في الوقت نفسه التطلعات القوميّة للشعبين المعنيّين الفلسطيني والإسرائيلي، كما والعلاقة الروحيّة العميقة التي تشد جميع مؤمني العالم من مسلمين ويهود ومسيحيّين إلى المدينة المقدسة، والبلاد التي تحوطها.

لا بد إذن من التوصل إلى إيجاد وضع خاص للمدينة المقدسة حتى تصبح فعلاً مدينة العدل والإخاء، مدينة يؤمها، بحريّة لا يحدها قيد، جميع المؤمنين برسالتها. وأنا لمقتنعون أن التصور الواقعي الذي يلبي هذين المطلبين، القومي والروحي، ليس بالأمر المستحيل، إذا ما توفرت الإرادة الصالحة لدى جميع الفرقاء المعنيين.

قال قداسة البابا يوحنا بولس الثاني، في رسالته سنة الفداء“:

وأني أفكر وأتطلع إلى اليوم الذي نكون فيه جميعاً تلامذة الله” (يوحنا ٦، ٤٥)، فنسمتع معاً إلى رسالة المصالحة والسلام. وأفكر في اليوم الذي يتبادل فيه اليهود والمسيحيّون والمسلمون، السلام الذي وجهه السيد المسيح إلى رسله، بعد قيامته من بين الأموات، إذ قال لهم: السلام لكم (يوحنا ٢٠، ١٩).

فبالارادة الصالحة وبالأناة يجب إيجاد التصور العلمي والعادل الذي يوفق بشكل ثابت بين المصالح والتطلعات المختلفة، والتي يضمنها بطريقة متكاملة وفعالة نظام خاص مضمون دولياً، بحيث لا يستطيع أي طرف المساس به من بعد“.

الوضع الراهن وضع حرج

٥٠. وان الوضع الراهن وضع حرج جدا، والحاجة ملحة إلى الاعتراف المتبادل والحوار. فالمأزق الذي وصلت إليه مسيرة السلام، أدى إلى تأزم الوضع بصورة خطرة. وأخذ الإحباط يغذي مواقف المتشددين والمتطرفين من كلا الجهتين، وقد يؤدي في كل لحظة إلى إنفجار لن يستطيع أحد التحكم به. كفى معاناة وكفى ضحايا بريئة. إن مسؤوليّة القادة السياسيّين ثقيلة في هذه الآونة. ويجب على الجميع أن يعي وأن ينتبه لخطورة الموقف ولضرورة اتخاذ قرار وعمل سريعين، قبل فوات الأوان.

٥إرشادات للمؤمنين

وضع صعب ومعقد

٥١. أيها الأخوة والأخوات، إنكم تعيشون في وضع صعب ومعقد، له أبعاد محليّة واقليميّة ودوليّة. فأول واجب عليكم هو أن تكونوا على مستوى الوضع: فتعملوا على تفهّمه والالمام بجميع معطياته. ثم تنظرون إليه بموضوعيّة وبهدوء وبجرأة، من غير خوف، ومن غير أن يصيبكم الإحباط، مهما بدا الأمر معقداً أو صعباً. واسمعوا القديس بولس يقول لكم: “لا تكونوا في هم ابداً بل ارفعوا حاجاتكم إلى الله وإن سلام الله الذي يفوق كل إدراك يحفظ قلوبكم وأفكاركم في المسيح يسوع” (فيلبي ٤، ٦٧).

يجب أن تكّونوا لأنفسكم رؤية واضحة لجميع واجباتكم حتى تلتزموا بها، ولجميع حقوقكم حتى تطالبوا بها، من غير إهمال شيء منها، مهما كانت التضحيات المطلوبة.

الإسهام في الحل

٥٢. أنتم جزء من مجتمعكم، وأنتم جزء من الصراع الدائر فيه. فيجب أن تساهموا في حلّه. لا يحق لكم أن تهربوا. ولا يحق لكم أن تنشدوا البقاء منتفعين بتضحيات غيركم. بل على كل واحد أن يقدم تضحيته بنفسه.

٥٣. يسألوننا مراراً: هل تؤيد الكنيسة المظاهرات والضجيج والعنف والانتفاضة؟ وقد أجبنا دوما بما يلي: ليس هكذا يطرح السؤال. وإنما السؤال الذي يجب أن يطرحه كل صاحب إرادة صالحة وصادقة هو التالي: هل يحق لشعب ما أن يطالب بحقوقه وهل هو ملزم بذلك؟ فان كان الجواب بالإيجاب، فهو إذن ملزم بالمطالبة، ويحق له أن يسمع صوته لينال حقوقه. لا يحق لأحد لأي حجة كانت أن يطالب أناساً مظلومين بالسكوت. وبألا يطالبوا بحقوقهم. ولكنا نقول أيضاً إنه لا يحق لأحد أن يملأ بحقد عقيم قلوب المظلومين، إذ أن الهدف ليس كراهيّة الخصم بل تحقيق العدالة.

٥٤. إذن يحق لشعب خاضع للاحتلال أن يطالب بحقوقه، وأن ينظم حياته السياسيّة بالطريقة التي تناسبه، وقد سبق وعبّر عن إرادته بتنظيم نفسه في دولة مستقلّة. وهذا حق طبيعي لا يحق لأحد أن يحول دونه. جاء في وثيقة المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني، عن الحياة السياسيّة للشعوب: “من الواضح أن الجماعة السياسيّة والسلطة العامة تجدان أساسهما في الطبيعة البشريّة نفسها. فهما إذن متصلان بنظام وضعه الله. وأما تحديد النظم السياسيّة واختيار القادة فهذه شؤون تعود إلى إرادة المواطنين الحرة“. (المجمع الفاتيكاني الثاني: فرح وأمل، ٧٤، ٣).

وللعنف نقول لا

٥٥. إن اختيار الكنيسة والإنجيل هو واضح وجلي. هو لا عنف. هو مع كل وسيلة تمكن من تقريب قلوب المتخاصمين، وتعدّها لقبول العدل المتبادل. خيار الكنيسة هو حوار السلام، حوار المتخاصمين، والذي بات مستعداً له الآن قادة الشعب الفلسطيني وكثيرون من الإسرائيليين.

لن يكون العنف بين إرشاداتنا. بينما ننتظر أن يحقق كبار العالم ومواطنو هذه الأرض، كل بالطرق التي تلائمه، السلام المنشود، فإن موقفنا من كل ظلم ومن جميع مظاهر العنف هو شجب لكل ظلم ولكل عنف وإرهاب، مهما كان مصدره، سواء كان الدولة أو الجماعة أو الفرد.

ويجب أن ننوه أن العنف ليس فقط كل ما ينجم عن أسلحة الدمار. قد يتخذ العنف أشكالا متعددة، ماديّة ومعنويّة. وقد يكمن أحياناً في وسائل الإعلام واستخداماتها المختلفة، حين تخفي الحقيقة أو تحرّف. وجواب الكنيسة هو تأييد الحقيقة وهو الوقوف إلى جانب الفقير والضعيف وضحايا العنف، أيا كانوا.

ولا بد من أن نذكر أن القوي الذي يستعمل العنف إنما يدعو الضعيف ويدفعه إلى اللجوء إلى العنف أيضاً.

وإن كل صراع بين شعبين لا يشمل تصادم الأجسام فقط، وإنما هناك روح الشعب. فإن أصاب العنف الجسوم وأتلفها، فإنه لن يقوى على إبادة الروح، بل تزداد روح الشعب مع الضربات حياة وقوة.

ولهذا كله، فإنا نقول إن طريق السلام وضمان الأمان هو التوقف عن كل عنف. واللجوء إلى الحوار.

مخلصون للايمان وللوطن

٥٦. أيها الإخوة والأخوات، أنتم مسيحيّون، فيجب أن تبقوا مخلصين لإيمانكم ولكنيستكم. باخلاصكم لايمانكم تكونون أقدر على القيام بواجباتكم تجاه وطنكم ومجتمعكم، في الظروف الصعبة التي نعيشها. أنتم في هذه الأرض المقدسة، تحملون، مع جميع سكانها، رسالة لجميع مؤمني العالم، كمسيحيّين متحدين في روح مسكونية واحدة تحملون رسالة لجميع مسيحي العالم. وهذا يتطلب نفساً كبيرة وروحاً عالية وتهيئة خاصة، حتى تكونوا على مستوى دعوتكم ورسالتكم. تمسكوا بهويّتكم كمواطنين وكمسيحيّين في كنيسة القدس. يجب أن تعوا رسالتكم، رسالة كنيستكم الشاملة، ورسالة أرضكم تجاه العالم.

الاندماج في الحياة العامة

٥٧. ولهذا لا بد من أن تتجذروا أكثر فأكثر في كنيستكم وفي أرضكم، ومن أن تكونوا ملتزمين في جميع مجالات الحياة العامة، لبناء مجتمع الغد ولتدعيم الاخوّة فيه والحرية، بالتعاون مع المؤمنين من جميع الديانات. معاً يجب أن نعمل منذ الآن لخلق مجتمع حر يوجد فيه مكان للجميع، في الكرامة والاحترام والمحبة.

وهذه أيام تدعو إلى شد الازر والتماسك والوحدة، وتذكر المؤمنين بحقيقة إيمانهم، انه محبة ووحدة. فبهما فقط يمكن أن تكون الشهادة المسيحيّة حقيقيّة وقويّة، ويمكن ان يكون لها أثرها الروحي في الصراع.

مع مواطنيكم المسلمين

٥٨. فمع مواطنيكم المسلمين تستلهمون هذه المحبة والوحدة، إذ تشاركونهم وتقاسمونهم المصير نفسه في وطن واحد وتراث واحد وحضارة واحدة. أما الصعوبات والاحتكاكات التي قد يختبرها اي واحد منكم في حياته اليوميّة، فيجب ألا تنحر الاخوّة ولا تنسي حقيقة الوحدة في الوطن والتراث والحضارة. وإنما تتطلب طوارئ الحياة اليوميّة، من كل طرف، جهوداً طويلة ومثابرة، للتوصل إلى أفضل طرق التعايش لبناء المجتمع معاً، في الاحترام والمحبة المتبادلين.

ونكرر في هذا الصدد ما قلناه سابقاً، فرسالة الصوم لهذا العام: يجب أن تكونوا على حذر من كل من يزرع الفتنة بينكم أو يبث الخوف في قلوبكم. يجب أن تقاوموا كل خوف وكل تحريض على التفرقة بين المسلم والمسيحي. الإيمان الحقيقي والقوي يجب أن يساعد جميع أبناء الله للتلاقي في المحبة نفسها. والحب هو المساعد الحقيقي والباني الحقيقي للمجتمع. بصبركم تفوزون وبمحبتكم. قد يقتضي ذلك وقتاً طويلاً وجهوداً كثيرة وإنما المهم هو الاستمرار في المسيرة الطويلة نحو تفهم الأخ.

ومع ابناء الشعب اليهودي

٥٩. ومع أبناء الشعب اليهودي وإن كانوا حاليّاً في نظركم منتسبين إلى تاريخ وإلى سياسة مختلفة فإن كلمة الله لهم في العهد القديم هي كلمة لنا، مدونة في كتبنا المقدسة. وإنا لنحب الله الذي كلم البشر ونسجد لعزته الالهيّة فيما يختار ويشاء. وإنا لنتمنى للشعب المتحدر من آبائنا إبراهيم واسحق ويعقوب كل الخير الذي يريد الله أن يمنحه اياه. لأننا نؤمن ايماناً ثابتاً أن محبة الله لشعب ما لا يمكن أن تكون ظلماً لشعب آخر. فيجب ألا نسمح للسياسة وللشر الذي في الناس أن يشوه محبّة الله لجميع أبنائه.

إبراهيم هو أبو جميع المؤمنين، فالإيمان بالله هو الذي يجب أن يقرب بين الشعوب وان تخاصمت. فعلى المؤمن إذن أن يكون قادراً على إقامة حوار بناء مع كل مؤمن من كل دين، فيساهم بهذا الحوار في بناء العدل والسلام. وإعداد القلوب المؤمنة والمتصالحة والقادرة على التعايش  لهو من مستلزمات السلام والعدل.

التضامن ومحبة الاخوة

٦٠. وفيما بينكم، يجب أن تبقوا، أيها الإخوة والأخوات، متضامنين متحابين ومتحدين. يجب أن نشارك بعضنا بعضاً في الآلام والآمال. والقليل أو الكثير الذي نملكه في هذه الأيام، يجب أن نتقاسمه. إن كان أحد في بحبوحة من العيش فليفطن لمن هو في الضيق. وإن كان أحد بحاجة، فليفطن لمن قد يكون في حاجة أشد منه وفي وضع أصعب. فبهذه المقاسمة المبنيّة على محبة الله لكل واحد منا، يمكن أن نقوي وأن نسند بعضنا بعضاً.

ولا نريد أن تنحصر محبتنا ضمن طائفتنا. فان حبنا يجب أن يكون مثل حب الله لنا، عاماً وشاملاً، لا يستثني ولا يفرق، ولا يستهدف غرضاً، وإنما هدفه الوحيد هو الاقتداء بالسيد المسيح مخلصنا الذي قال: “جئت لتكون لهم الحياة ولتكون لهم أوفر” (يوحنا ١٠، ١٠). هذه هي وصيّة السيد المسيح ووصيتنا: محبة الله ومحبة القريب كمثل محبتنا لنفسنا وكمثل محبة الله له. “أحبوا بعضكم بعضاً كما أحببتكم أنا” (يوحنا ١٥، ١٢).

تضامن الكنائس

٦١. وإنا لسعيدون إذ نلمس ونشعر تضامن ومحبة إخوتنا وأخواتنا المسيحيّين في العالم، والذين لا يقصرون محبتهم على المسيحيّين، بل يشملون بها كل مظلوم وكل ذي حاجة في هذا الصراع، من غير تمييز ولا تفريق. وإنا لنوجّه شكرنا لجميع الهيئات والمساعدات الاجتماعيّة والخيريّة، ولجميع الوفود المسيحيّة الكاثوليكيّة وغيرها، التي أرادت زيارة هذه البلاد في وسط الصراع الدائر، لتطلع على الحقائق عن كثب، ولتساهم في تحقيق العدل والسلام. ونشكر جميع الحجاج الذين أرادوا أن يعبّروا، بحضورهم بيننا وبصلاتهم، بالرغم من جميع الصعوبات، على مشاركتهم وسندهم لنا.

القطيع الصغير

٦٢. أنتم قطيع صغير. وهذا لا يقلل من شأنكم ومن شأن رسالتكم ومسؤولياتكم، بل بالعكس يزيدها أهميّة. انكم تحملون في نفوسكم الروح القدس، روح الحق الذي أرسله الآب للمؤمنين في هذه المدينة نفسها، وفي يوم العنصرة هذا. هذا الروح يسكن في كلّ منكم. ويستقر في الكنيسة في بلدكم وفي كنائس العالم بأسره. فباسم هذا الروح الذي يجعلنا حقاً أبناء الله، وبه نتوجه إلى الله قائلين: “يا أبتاه” (روما ٨، ١٥)، وننتظر مجيء الرب ونقول: “هلم ايها الرب يسوع” (رؤيا ٢٢، ١٧).

الصلوات المستجابة

٦٣. نحن أقوياء بكلمة الله وبروحه، ونؤمن بصلاح الانسان بالرغم من كل الشر الذي نعاني منه منذ سنوات لا تنتهي. ولهذا فإنا لا نشك في أن صلواتنا سوف تستجاب يوماً، وفي أن جهودنا للسلام سوف تلبى يوماً. إنا لنؤمن بالله. وندعوكم جميعاً الى العمل الدؤوب في سبيل السلام القادم، ان شاء الله، والذي من أجله ضحى الكثيرون بحياتهم.

الخاتمة

طوبى للودعاء

٦٤. قال السيد المسيح: “طوبى للودعاء فإنهم يرثون الأرضطوبى للساعين إلى السلام فإنهم أبناء الله يدعون، وطوبى للمضطهدين من أجل البر فإن لهم ملكوت السموات: (متى ٥، ٤و٩١٠).

صانعو السلام

٦٥. كان تاريخ البشرية في جميع العصور والحضارات مليئاً بأعمال العنف والحروب. واليوم بالرغم من السلام الظاهر الذي أخذ يتحقق بين كبار هذا العالم، فإنا ما زلنا نرى الحروب العديدة قائمة في مختلف أنحاء العالم الثالث، وكلّها على صلة مع هؤلاء الكبار ومع تجار الأسلحة في العالم. فللدول الكبيرة دورها في هذه الحروب وفي إخمادها. ولا تستطيع أن تتنصل من مسؤوليّتها.

الحروب شر يجب على البشرية أن تحرر نفسها منه. والسلام مجازفة يجب أن يرضى بها المتخاصمان ويحب أن يرضى بها تجار الأسلحة وكبار الدول في هذا العالم.

وفي جميع العصور وفي جميع الحضارات كان أيضاً رجال سلام. وكان لكل صراع نهاية عاجلاً ام آجلاً، وآل إلى معاهدات سلام, وإنا لنأمل أن يظهر في هذا الصراع الذي نعاني منه رجال صالحون يصنعون السلام. نعم سوف يولد السلام وإن تعسرت الولادة. يجب أن ننعش الأمل فينا، يجب أن نساعد على ولادة السلام، بنداء قوي لتحقيق العدل، وبتنديد حازم بكل ظلم من أي جهة كان.

القدس رمز للأمل

٦٦. مرّت من خلالها البشريّة. يجب أن يلتقي فيها جميع المؤمنين من جميع الشعوب ليسمعوا معا هنا صوت الله. فإذا ما سمعوا صوت الله حقاً أعادوا إلى القدس طابعها المقدّس وقدرتها لتحرير الإنسان وإحلال السلام.

لا يحق لأحد أن يتملك القدس تملكاً يولّد الكراهيّة والبغضاء. بل يحق لكل مؤمن أن يرى فيها وطناً لروحه وللعدل والمحبة التي يدعوا بقوتها جميع الناس الى سلام الله.

اسألوا السلام لأورشليم

لأجل محبة اخوتي وأخلائي

لأجل محبة بيت الرب الهنا

التمس لك الخير” (مزمور ١٢٢، ٦٩).

صلاة

٦٧. كان برج بابل، في بداية تاريخ الانسانيّة، رمزاً لبلبلة الأفكار والألسنة. وفي يوم العنصرة وحد الروح القدس ألسنة المؤمنين وقلوبهم. فلنسأل الله ان يفيض فينا روحه، وأن يجدد بيننا عَنصرَته، فيصبح كل واحد قادراً على فهم أخيه في المحبة والعدل. ويصبح الجميع قادرين على المحبة بدل البغضاء وعلى السلام بدل الظلم والجور.

لقد أرسلت إليهم، في مثل هذا اليوم وفي هذا المكان، روحك القدوس ليجدد وجه الأرض، وليصالح الانسان معك ومع أخيه الإنسان.

اللهك، إننا في هذا اليوم وفي هذه الأرض، بحاجة الى مصالحة. فأرسل روحك اليوم ليجددنا ويصالحنا.

+ البطريرك ميشيل صباح

القدس، في عيد العنصرة

٣ حزيران ١٩٩٠